الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 54 ] فصل ( في خواص الماء ) .

تقدم الكلام في اللحم واللبن والماء وتعرف جودة الماء بصفائه ، وأن لا تكون له رائحة ، وأن يكون عذب الطعم حلوا خفيفا وزنه ، بعيد المنبع طيب الجري بارزا للشمس والريح لينقصر كثيرا ليدفع عن نفسه سريع الحركة والجري ، آخذا إلى الشمال من الجنوب أو من الغرب إلى الشرق ، يسخن سريعا عند طلوع الشمس عليه ، ويبرد عند غروبها عنه ، وينحدر عن المعدة سريعا ويخفف ثقل الطعام عليها .

قال أبقراط : الماء الذي يسخن سريعا ، ويبرد سريعا أخف المياه ، والماء ، وإن كان في الأصل باردا رطبا ، فإنه ينتقل لعارض ، فالمكشوف للشمال خاصة فيه يبس فيكتسب من ريح الشمال وكذا بقية الجهات بحسها وما ينبع من معدن فله طبيعة ذلك المعدن ، ويؤثر في البدن تأثيره وسيأتي .

ونفع الماء البارد من داخل أكثر من نفعه من خارج ، والحار بالعكس ، وينفع البارد من عفونة الدم والحميات المحترقة وصعود الأبخرة إلى الرأس ، ويدفع العفونات ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمنة والأماكن الحارة ويقوي القوى الأربع الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة على أفعالها . ويقوي الشهوة ويحسن ويهضم بجمعه المعدة على الغذاء ، ويحفظ الصحة ، وينفع التخلخل والسيلان ، ويضر كل حالة تحتاج إلى نضج وتحليل كالزكام والأورام ، والشديد البرد يؤذي الأسنان والإدمان عليه يحدث انفجار الدم والنزلات وأوجاع الصدر وقصبة الرئة وأصحاب السدد يضعف الباه ، ويضر من أفرط به الاستفراغ ، وليجتنب على الريق وعقب حمام وجماع [ ص: 55 ] وحركة عنيفة كثيرة وعطش شديد حادث في الليل عند النوم بغير سبب .

مالح أو حار يابس ، فإنه يفسد المزاج ويولد الاستسقاء وهذا الماء يعقل البطن ويسكن سيلان المني ، والاستحمام به ينفع التشنج من امتلاء والأجسام المتخلخلة ويرطب ويسكن الأوجاع ، وإذا صب حول موضع ينبعث منه الدم قطعه ، والبارد والحار بإفراط يضران العصب وأكثر الأعضاء ; لأن أحدهما محلل والآخر مكثف .

والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة ويحلل وينضج ويخرج الفضول ويرطب ويسخن ، ويفسد الهضم شربه ، ويطفو بالطعام إلى أعالي المعدة ويرخيها ولا يسرع إلى تسكين العطش ويذبل البدن ، ويؤدي إلى أمراض رديئة ، ويضر في أكثر الأمراض ، وهو صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد ، وأنفع ما استعمل من خارج وإذا اغتسل به كثير عادية النافض قال بعضهم : إذا مزج بماء بارد نفع المصروع وأورام الحلق واللهاة والصدر ، ويجلو خمل المعدة ويطلق الطبع إذا صادف خلطا خاصة إذا شرب مع سكر أو عسل ، وإذا لم يمزج بماء بارد لا يروي ولا تقبله الأعضاء ، فإن أكثر منه أفسد المزاج وأحدث الرهل وأرخى المعدة وملأ الدماغ بخارا ولفساد هضم شاربيه يصفر ألوانهم ، ويورم أطحالهم وأكبادهم ، وهو يهيج الرعاف ، وينبغي خلطه بماء ورد حتى لا يرخي المعدة ، والشديد السخونة يفسد الذهن ويحدث الغثي ويذيب شحم الكلى واللحم ولذلك ينبغي خلطه بماء بارد والاستحمام ويلطف البلغم ويسخن جدا .

وماء المطر أجوده ما أخذ من أرض جيدة قال بعضهم : وكان قطره قليلا في شهر كانون وكان من سحاب راعد وكان في مستنقعات الجبال [ ص: 56 ] وهو أرطب من بقية المياه ; لأنه لا تطول مدته فيكتسب من يبس الأرض أو غيرها ولهذا يعفن ، ويتغير سريعا لطاقته وسرعة انفعاله .

وأبقراط يقول : ماء المطر أجود المياه وأعذبها وأخفها وزنا وهو أقل بردا من ماء العيون وهو ينفع من السعال وخاصة إذا طبخ به أشربة السعال وهو مدر للعرق ، ويضر بالبحوحة عند ابتداء عفنه قال بعضهم : المطر الشتوي أفضل من الربيعي لقلة حرارة الشمس حينئذ فلا يجتذب من ماء البحر إلا ألطفه والجو صاف لخلوه عن دخان وغبار .

وقال بعضهم : المطر الربيعي ألطف ; لأن الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة ورقة الهواء ولطافته فيخف بذلك الماء لقلة أجزائه ويصادف وقت النبات وطيب الهواء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا رأى المطر يقول رحمة } رواه مسلم من حديث عائشة ولأحمد والبخاري والنسائي من حديثها { اللهم صيبا نافعا } وليس في البخاري " اللهم " ولمسلم عن أنس قال { : أصابنا ونحن مع رسول الله قال : فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا : لم صنعت هذا قال : لأنه حديث عهد بربه } .

والمياه العفنة كمياه الآجام والمواضع التي تخرج إليها الأوساخ فيه حرارة ويغلظ الطحال والكبد ويفسد المعدة ويسمح اللون ويولد الحميات ومن اضطر إلى شرب الماء العفن فليمزجه بربوب الفواكه الحامضة كرب الرمان والحصرم والريناس . والماء الكدر الغليظ يحدث الحصى في المثانة والكلى ويتدارك ضرره ببقول لطيفة ومدرة وثوم وكراث وبصل ويصلحه للشرب الخرنوب الشامي وحب الآس والزعرور والطين الحر والسويق [ ص: 57 ] وأن يجعل مع السويق في جرار جدد ويستقطر وقد يصفو إذا ألقي فيه الشب أو لب نوى المشمش ونحوه أو الجمر الملتهب .

والمياه الرديئة يصلحها الخل ونحوه وماء الآبار قليل اللطف وماء القنى المدفونة تحت الأرض ثقيل لتعفن أحدهما بانحقانه وحجب الآخر عن الهواء ، وينبغي ترك شربه حتى يضمد للهواء ، ويأتي عليه ليلة . وأردؤه ماء مجاريه من رصاص أو بئر معطلة خاصة إن كانت تربتها رديئة .

وأما ماء البحر فعن أبي هريرة عن النبي أنه قال في ماء البحر { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } رواه أحمد وأهل السنن وصححه البخاري والترمذي وغيرهما قال تعالى { وهو الذي مرج البحرين } .

أي خلى بينهما معناه أرسلهما في مجاريهما فما يلتقيان ( هذا عذب ) طيب ( فرات ) صفة لعذب وهو أشد الماء عذوبة ( وهذا ملح أجاج ) يقال : ماء ملح واستعمله الشافعي رضي الله عنه وقيل : هو لغة والأجاج صفة الملح قال الزجاج : وهو المر الشديد المرارة .

قال ابن قتيبة : هو أشد الماء ملوحة ، وقيل : هو الذي يخالطه مرارة { وجعل بينهما برزخا } أي حاجزا وهو مانع من قدرة الله عند أكثر المفسرين فهما في قدرة الله منفصلان لا يختلطان وقد يكونان [ ص: 58 ] في مرأى العين مختلطين ، وقيل : الحاجز الأرض واليبس قاله الحسن { وحجرا محجورا } .

أي حراما محرما أن يغلب أحدهما صاحبه ، وإنما جعل سبحانه ماء البحر كذلك لكثرة ما فيه من الحيوان ، ويموت فيه كثيرا ولو كان حلوا لأنتن من ذلك وكان الهواء ، ويكتسب منه ذلك فيفسد العالم فاقتضت حكمة الله سبحانه أن جعله كذلك ولا يغيره شيء أبدا ، ولأن أرضه سخنة مالحة وهو حار يابس ينفع من الشقوق العارضة عن برد إذا اغتسلت به ، ويقتل القمل ويحلل الدم المنعقد تحت الجلد ، وينفع من الجرب والحكة والقوابي والفالج والخدر وأورام الثدي ويحتقن به للمغص ويسقى فيسهل ثم يشرب بعده مرق الدجاج فيكسر لذعه ، والجلوس فيه ينفع من لسع الأفعى وسائر الهوام القتالة وشربه يؤذي ، فإنه يعطش ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا ، وقد يتدارك ضرره باللبن والأشياء الدسمة .

وقد يدبر الماء المالح فيعذب بأن يوضع في إناء كالقدح من شمع ، فإنه يرشح إليه من خارجه ماء عذب أو يجعل في قدر ويجعل فوق القدر قضبان عليها صوف منفوش ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف فإذا كثر عصره لا يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد فيحصل له من البخار في الصوف ماء عذب أو يحفر إلى جانبه حفرة يرشح ماؤه إليها ثم أخرى إلى جانبها ترشح هي إليها ثم ثالثة إلى أن يعذب ويخلط بطين جيد أو يخلط بسويق في جرار جدد وتستقطر ، وشربه عليه أغذية دسمة أقل لضرره ، فالماء المر يمزج بحلو ويؤكل عليه الحلو ، والماء المالح العادم للمرارة حار يابس يسخن ويجفف ويطلق الطبع ، فإذا أدمن عليه عقل وهو كما سبق في ماء البحر .

وأما ماء زمزم فماء شريف مبارك . أشرف المياه وأجلها عند الناس وهو لما شرب له ، ويستحب التضلع منه كما ورد في الخبر وذلك مذكور في الفقه وسبق فيه حديث أبي ذر في فصول الصحة .

وأما الأنهار التي من الجنة ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : [ ص: 59 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : سيحان وجيحان والنيل والفرات كلها من أنهار الجنة } . [ ص: 60 ]

وفي مسلم أو في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة في حديث الإسراء لما ذكر سدرة المنتهى قال وحدث نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى { أربعة أنهار في الجنة يخرج من أصلها نهران ظاهران ، ونهران باطنان فقلت : يا جبريل : ما هذه الأنهار قال : أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات } .

قال بعضهم : هذا يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض بخروج النيل والفرات من أصلها وقال بعضهم لا يلزم ومعناه أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد الله حتى تخرج من الأرض وتسير فيها .

والفرات بالتاء الممتدة في الخط في الوصل والوقف وهذه الأنهار من أجود المياه ، والأرض التي يسقيها النيل إبلين أصلية إن أمطر مطر العادة لم ترو فلا يتهيأ النبات وفوق العادة يضر بها وبساكنيها فساق إليها سبحانه هذا النهر العظيم من مكان بعيد .

قال بعضهم : أصله في أقصى بلاد الحبشة من أمطار تجتمع هناك وسيول وجعل سبحانه زيادته في أوقات معلومة بحسب الحاجة إليه وكفاية البلاد فإذا اكتفت أذن الله سبحانه بتناقصه لمصلحة الزرع فسبحان من هو على كل شيء قدير ، وهو بكل شيء عليم ، وهو الحكيم الخبير . [ ص: 61 ]

فصل : وأما ما سبق من أن الماء يكتسب من معدنه ويؤثر تأثيره قال الأطباء في الماء الزفتي والكبريتي والنفطي وماء العثار يسخن ويجفف ، وينفع من البهق والبرص والثآليل ، وأورام المفاصل ، والصلابات ، والجرب ، والقوابي إذا استحم به ، وينفع من أوجاع العصب الباردة ، والاستسقاء جلوسا فيه وشربا وهو رديء للعين يحدث الحسيات ويصلحه ربوب الفواكه الحامضة .

والماء الشبي هو الجاري على أرض شبية أجوده السائغ القليل القبض وهو يبرد ويجفف ، ويمنع الإسقاط ويرق الحيض ، وقيام الدم وبعثه والدرب والبواسير وهو يحدث القولنج وهذه المياه يتداوى بها من خارج ولا تصلح للشرب .

والماء الزئبقي يجري على معدن الزئبق يغتسل به للحكة والقمل . والماء الحديدي ينبع من معدن الحديد يسخن ويجفف ، وينفع الطحال والمعدة ، ويحبس البطن ، ويشد الأعضاء ويقويها . وأما المطفي فيه الحديد ، فإنه يمنع من نفث الدم ، ويزيد في الباه .

والماء النحاسي ينبع من معدن النحاس ينفع الفم والآذان والطحال والمعدة ورطوبات البدن وفساد المزاج ويحدث عسر البول . والماء الفضي ينبع من معدن الفضة يبرد ويجفف باعتدال . والماء النطروني يجري على معدن النطرون وهو البورق الأرمني يطلق الطبع .

وماء الكافور حار يابس في الثالثة يستخرج الزفر من اليد . ومن خواصه إذا جعل على طعام لم تقربه ذبابة ورائحته تضر بالصداع من حر ويصلحه خلطه بدهن بنفسج .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث