الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كتاب المفقود ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء : المفقود اسم لموجود هو حي باعتبار أول حاله ولكنه خفي الأثر كالميت باعتبار مآله ، وأهله في طلبه يجدون ، ولخفاء أثر مستقره لا يجدون قد انقطع عليهم خبره واستتر عليهم أثره ، وبالجد ربما يصلون إلى المراد وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد والاسم في اللغة من الأضداد يقول الرجل : فقدت الشيء أي أضللته ، وفقدته أي طلبته وكلا المعنيين يتحقق في المفقود ، فقد ضل عن أهله وهم في طلبه ، وحكمه في الشرع أنه حي في حق نفسه حتى لا يقسم ماله بين ورثته ، ميت في حق غيره حتى لا يرث هو إذا مات أحد من أقربائه ; لأن ثبوت حياته باستصحاب الحال فإنه علم حياته فيستصحب ذلك ما لم يظهر خلافه ، واستصحاب الحال معتبر في إبقاء ما كان على ما كان غير معتبر في إثبات ما لم يكن ثابتا ، وفي الامتناع من قسمة ماله بين ورثته إبقاء ما كان على ما كان ، وفي توريثه من الغير إثبات أمر لم يكن ثابتا له ، ولأن حياته باعتبار الظاهر ، والظاهر حجة لدفع الاستحقاق ، وليس بحجة [ ص: 35 ] للاستحقاق ، فلا يستحق به ميراث غيره ، ويندفع به استحقاق ورثته لماله بهذا الظاهر ; ولهذا لا تتزوج امرأته عندنا ، وهو مذهب علي رضي الله تعالى عنه كما بدأ به الكتاب من قوله في امرأة المفقود : إنها امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق ، وبه كان يأخذ إبراهيم كما قال : قد سمعنا أن امرأته تتربص أربع سنين ، وليس ذلك بشيء هي امرأة ابتليت فلتصبر ، وتربص أربع سنين كان يقول به عمر رضي الله تعالى عنه في الابتداء ثم رجع إلى قول علي رضي الله عنه ومالك كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه فيقول : الظاهر أنه يوقف على خبره بعد هذه المدة أن لو كان حيا ، والبناء على الظاهر واجب فيما لا يوقف على حقيقته ، خصوصا إذا وقعت الحاجة إلى دفع الضرر عنها ، وقد مست الحاجة إلى دفع الضرر عنها لكي لا تبقى معلقة .

ألا ترى أنه يفرق بين العنين وامرأته بعد مضي سنة لدفع الضرر عنها ، وبين المولى وامرأته بعد أربعة أشهر لدفع الضرر عنها ، ولكن عذر المفقود أظهر من عذر المولى والعنين فيعتبر في حقه المدتان في التربص ، وذلك بأن تجعل الشهور سنين ، فلهذا تتربص ولا نأخذ بهذا ; لأن نكاحه حقه ، وهو حي في إبقاء ملكه وحقه عليه ، ولو مكنا زوجته من أن تتزوج كان فيه حكم بالموت ضرورة ، إذ المرأة لا تحل لزوجين في حالة واحدة فيجب قسمة ماله أيضا ، وذلك ممتنع ما لم يقم على موته دليل موجب له . والتقدير بالمدة في حق المولى والعنين لدفع ظلم التعليق ، ولا يتحقق معنى الظلم من المفقود فقلنا : إنها امرأة ابتليت فلتصبر ، ولو شاء الله تعالى لابتلاها بأشد من هذا . فإذا لم يظهر خبره فظاهر المذهب أنه إذا لم يبق أحد من أقرانه حيا ، فإنه يحكم بموته ; لأن ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشرع الرجوع إلى أمثاله كقيم المتلفات ، ومهر مثل النساء وبقاؤه بعد موت جميع أقرانه نادر ، وبناء الأحكام الشرعية على الظاهر دون النادر .

وكان الحسن بن زياد رحمه الله يقول : إذا تم مائة وعشرون سنة من مولده يحكم بموته ، وهذا يرجع إلى قول أهل الطبائع والنجوم ، فإنهم يقولون لا يجوز أن يعيش أحد أكثر من هذه المدة ; لأن اجتماع التحسين يحصل للطباع الأربع في هذه المدة ، ولا بد من أن يضاد واحد من ذلك طبعه في هذه المدة فيموت ، ولكن خطأهم في هذا قد تبين للمسلمين بالنصوص الواردة في طول عمر بعض من كان قبلنا كنوح صلوات الله وسلامه عليه وغيره ، فلا يعتمد على هذا القول ، وعن أبي يوسف رحمه الله قال : إذا مضى مائة سنة من مولده يحكم بموته ; لأن الظاهر أن أحدا في زماننا [ ص: 36 ] لا يعيش أكثر من مائة سنة .

وحكي أنه لما سئل عن معنى هذا قال : أبينه لكم بطريق محسوس ، فإن المولود إذا كان ابن عشر سنين يدور حول أبويه هكذا وعقد عشرا ، فإن كان ابن عشرين سنة فهو بين الصبا والشباب هكذا وعقد عشرين ، فإن كان ابن ثلاثين سنة يستوي هكذا وعقد ثلاثين ، فإذا كان ابن أربعين تحمل عليه الأثقال هكذا وعقد أربعين ، فإذا كان ابن خمسين ينحني من كثر الأثقال والأشغال هكذا وعقد خمسين ، فإذا كان ابن ستين ينقبض للشيخوخة هكذا وعقد ستين ، فإذا كان ابن سبعين يتوكأ على عصا هكذا وعقد سبعين ، فإذا كان ابن ثمانين يستلقي هكذا وعقد ثمانين ، فإذا كان ابن تسعين تنضم أمعاؤه هكذا وعقد تسعين ، فإذا كان ابن مائة سنة يتحول من الدنيا إلى العقبى كما يتحول الحساب من اليمنى إلى اليسرى .

وهذا يحمل من أبي يوسف على طريق المطايبة إلا أن يكون يعرف الحكم بمثل هذا ، وهو كما نقل عن أبي يوسف رحمه الله أنه سئل عن بنات العشر من النساء فقال : لهو اللاهين ، فسئل عن بنات العشرين فقال : لذة المعانقين ، فسئل عن بنات الخمسين فقال : عجوز في الغابرين ، وسئل عن بنات الستين فقال : لعنة اللاعنين . وكان محمد بن سلمة يفتي في المفقود بقول أبي يوسف حتى تبين له خطؤه في نفسه ، فإنه عاش مائة سنة وسبع سنين . فالأليق بطريق الفقه أن لا يقدر بشيء ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ولا نص فيه ، ولكن نقول : إذا لم يبق أحد من أقرانه يحكم بموته اعتبارا لحاله بحال نظائره .

( وذكر ) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمهما الله قال لقيت : المفقود نفسه فحدثني حديثه قال : أكلت حريرا في أهلي ثم خرجت فأخذني نفر من الجن فمكثت فيهم ثم بدا لهم في عتقي فأعتقوني ، ثم أتوا بي قريبا من المدينة فقالوا أتعرف النخل فقلت : نعم فخلوا عني فجئت ، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أبان امرأتي بعد أربع سنين وحاضت وانقضت عدتها وتزوجت فخيرني عمر رضي الله عنه بين أن يردها علي وبين المهر . وأهل الحديث رحمهم الله يرون في هذا الحديث أنه هم بتأديبه حين رآه ، وجعل يقول : يغيب أحدكم عن زوجته هذه المدة الطويلة ، ولا يبعث بخبره فقال : لا تعجل يا أمير المؤمنين ، وذكر له قصته .

وفي هذا الحديث دليل لمذهب أهل السنة والجماعة رحمهم الله في أن الجن قد يتسلطون على بني آدم ، وأهل الزيغ ينكرون ذلك على اختلاف بينهم . فمنهم من يقول : المستنكر دخولهم [ ص: 37 ] في الآدمي لأن اجتماع الروحين في شخص لا يتحقق ، وقد يتصور تسلطهم على الآدمي من غير أن يدخلوا فيه ، ومنهم من قال : هم أجسام لطيفة ، فلا يتصور أن يحملوا جسما كثيفا من موضع إلى موضع ، ولكنا نقول : نأخذ بما وردت به الآثار قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم } ، وقال صلى الله عليه وسلم : { إنه يدخل في رأس الإنسان فيكون على قافية رأسه } حديث فيه طول ، وهذا الحديث دليل لنا أيضا فنتبع الآثار ، ولا نشتغل بكيفية ذلك ، وكأن عمر رضي الله عنه إنما رجع عن قوله في امرأة المفقود لما تبين من حال هذا الرجل ، وأما تخييره إياه بين أن يردها عليه وبين المهر فهو بناء على مذهب عمر رضي الله عنه في المرأة إذا نعي إليها زوجها فاعتدت ، وتزوجت ثم أتى الزوج الأول حيا إنه يخير بين أن ترد عليه وبين المهر ، وقد صح رجوعه عنه إلى قول علي رضي الله عنه ، فإنه كان يقول ترد إلى زوجها الأول ، ويفرق بينها وبين الآخر ، ولها المهر بما استحل من فرجها ، ولا يقربها الأول حتى تنقضي عدتها من الآخر وبهذا كان يأخذ إبراهيم رحمه الله فيقول : قول علي رضي الله عنه أحب إلي من قول عمر رضي الله عنه ، وبه نأخذ أيضا ; لأنه تبين أنها تزوجت ، وهي منكوحة ومنكوحة الغير ليست من المحللات بل هي من المحرمات في حق سائر الناس كما قال الله تعالى : { والمحصنات من النساء } فكيف يستقيم تركها مع الثاني ، وإذا اختار الأول المهر ، ولكن يكون النكاح منعقدا بينهما فكيف يستقيم دفع المهر إلى الأول ، وهو بدل بضعها فيكون مملوكا لها دون زوجها كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة ، فعرفنا أن الصحيح أنها زوجة الأول ، ولكن لا يقربها لكونها معتدة لغيره كالمنكوحة إذا وطئت بالشبهة .

وذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله أن عمر رضي الله عنه رجع عن ثلاث قضيات إلى قول علي رضي الله عنه ، عن امرأة أبي كنف ، والمفقود زوجها ، والمرأة التي تزوجت في عدتها . أما حكم المفقود والمعتدة فقد بينا . وأما حديث أبي كنف فهو ما رواه إبراهيم أن أبا كنف طلق امرأته فأعلمها وراجعها قبل انقضاء العدة ولم يعلمها ، فجاء وقد تزوجت فأتى عمر رضي الله عنه فقص عليه القصة فقال له : إن وجدتها لم يدخل بها فأنت أحق بها ، وإن كان قد دخل بها فليس لك عليها سبيل ، فقدم وقد وضعت القصة على رأسها فقال لهم : إن لي إليها حاجة فخلوا بيني وبينها ، فوقع عليها وبات عندها ، ثم غدا إلى الأمير بكتاب عمر رضي الله عنه فعرفوا أنه جاء بأمر بين وهذا كان مذهب عمر رضي الله عنه [ ص: 38 ] في الابتداء أنه إذا راجعها ولم يعلمها لا يثبت حكم الرجعة في حقها ما لم تعلم حتى إذا اعتدت وتزوجت ودخل بها الثاني لم يبق للأول عليها سبيل لدفع الضرر عنها ، ثم رجع إلى قول علي رضي الله عنه أن مراجعته إياها صحيح بغير علمها ، وهي منكوحة سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل ; لأن الزوج يستبد بالرجعة كما يستبد بالطلاق فكما يصح إيقاع الطلاق عليها ، وإن لم تعلم به فكذلك رجعتها لقوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن } في ذلك ، وإنما يكون أحق إذا كان يستبد به . والرجعة إمساك بالنص كما قال الله تعالى : { فإمساك بمعروف } والمالك ينفرد بإمساك ملكه من غير أن يحتاج إلى علم غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث