الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ( 18 ) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون ( 19 ) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ( 20 ) )

يقول - تعالى ذكره - : أفهذا الكافر المكذب بوعد الله ووعيده ، المخالف أمر الله ونهيه ، كهذا المؤمن بالله ، والمصدق بوعده ووعيده ، المطيع له في أمره ونهيه ، كلا لا يستوون عند الله يقول : لا يعتدل الكفار بالله ، والمؤمنون به عنده ، فيما هو فاعل بهم يوم القيامة . وقال : ( لا يستوون ) فجمع ، وإنما ذكر قبل ذلك اثنين : مؤمنا وفاسقا ؛ لأنه لم يرد بالمؤمن : مؤمنا واحدا ، وبالفاسق : فاسقا واحدا ، وإنما أريد به : جميع الفساق ، وجميع المؤمنين بالله . فإذا كان الاثنان غير مصمود لهما ذهبت لهما العرب مذهب الجمع .

وذكر أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب ، رضوان الله عليه ، والوليد بن عقبة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة بن الفضل قال : ثني ابن إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار قال : نزلت بالمدينة ، في علي بن أبي طالب ، والوليد [ ص: 188 ] بن عقبة بن أبي معيط كان بين الوليد وبين علي كلام ، فقال الوليد بن عقبة : أنا أبسط منك لسانا ، وأحد منك سنانا ، وأرد منك للكتيبة ، فقال علي : اسكت ، فإنك فاسق ، فأنزل الله فيهما : ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) إلى قوله : ( به تكذبون ) .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) قال : لا والله ما استووا في الدنيا ، ولا عند الموت ، ولا في الآخرة .

وقوله : ( أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ) يقول - تعالى ذكره - : أما الذين صدقوا الله ورسوله ، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله ، فلهم جنات المأوى : يعني بساتين المساكن التي يسكنونها في الآخرة ويأوون إليها . وقوله : ( نزلا بما كانوا يعملون ) يقول : نزلا بما أنزلهموها جزاء منه لهم بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعته . وقوله : ( وأما الذين فسقوا ) يقول - تعالى ذكره - : وأما الذين كفروا بالله ، وفارقوا طاعته ( فمأواهم النار ) يقول : فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرة النار ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ) في الدنيا ( تكذبون ) أن الله أعدها لأهل الشرك به .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وأما الذين فسقوا ) أشركوا ( وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) والقوم مكذبون كما ترون .

التالي السابق


الخدمات العلمية