الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا

فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا .

رخصة لمن لم يجد عتق رقبة أن ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين لأنه لما لم يجد [ ص: 20 ] رقبة يعتاض بفكها عن فك عصمة الزوجة نقل إلى كفارة فيها مشقة النفس بالصبر على لذة الطعام والشراب ليدفع ما التزمه بالظهار من مشقة الصبر على ابتعاد حليلته فكان الصوم درجة ثانية قريبة من درجة تحرير الرقبة في المناسبة .

وأعيد قيد من قبل أن يتماسا للدلالة على أنه لا يكون المس إلا بعد انقضاء الصيام فلا يظن أن مجرد شروعه في الصيام كاف في العود إلى الاستمتاع .

فمن لم يستطع ، أي : لعجزه أو ضعفه رخص الله له أن ينتقل إلى إطعام ستين مسكينا عوضا عن الصيام ، فالإطعام درجة ثالثة يدفع عن ستين مسكينا ألم الجوع عوضا عما كان التزمه على نفسه من مشقة الابتعاد عن لذاته ، وإنما حددت بستين مسكينا إلحاقا لهذا بكفارة فطر يوم من رمضان عمدا بجامع أن كليهما كفارة عن صيام فكانت الكفارة متناسبة مع المكفر عنه مرتبة ترتيبا مناسبا . وقد أجمل مقدار الطعام في الآية اكتفاء بتسميته إطعاما فيحمل على ما يقصده الناس من الطعام وهو الشبع الواحد كما هو المتعارف في فعل طعم . فحمله علماؤنا على ما به شبع الجائع ، فيقدر في كل قوم بحسب ما به شبع معتاد الجائعين . وعن مالك رحمه الله في ذلك روايتان إحداهما أنه مد واحد لكل مسكين بمد النبيء - صلى الله عليه وسلم - والثانية أنه مدان أو ما يقرب من المدين وهو مد بمد هشام بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة وقدره مدان إلا ثلث مد قال أشهب : قلت لمالك : أيختلف الشبع عندنا وعندكم ؟ قال : نعم الشبع عندنا مد بمد النبيء - صلى الله عليه وسلم - والشبع عندكم أكثر أي : لأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - دعا لأهل المدينة بالبركة . وقوله هذا يقتضي أن يكون الإطعام في المدينة مدا بمد النبيء - صلى الله عليه وسلم - مثل كفارة الفطر في رمضان ، فكيف جعله مالك مقدرا بمدين أو بمد وثلثين ، وقال : لو أطعم مدا ونصف مد أجزأه ، فتعين أن تضعيف المقدار في الإطعام مراعى فيه معنى العقوبة على ما صنع ، وإلا فلا دليل عليه من نص ولا قياس . قال أبو الحسن القابسي إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا فهذا مما ثبت بعمل أهل المدينة .

[ ص: 21 ] وقدر أبو حنيفة الشبع بمدين بمد النبيء - صلى الله عليه وسلم - فلعله راعى الشبع في معظم الأقطار غير المدينة ، وقدره الشافعي بمد واحد لكل مسكين قياسا على ما ثبت في السنة في كفارة الإفطار وكفارة اليمين .

ولم يذكر مع الإطعام قيد من قبل أن يتماسا اكتفاء بذكره مع تحرير الرقبة وصيام الشهرين ولأنه بدل عن الصيام ومجزأ لمثل أيام الصيام . هذا قول جمهور الفقهاء .

وعن أبي حنيفة أن الإطعام لا يشترط فيه وقوعه من قبل أن يتماسا .

ثم إن وقع المسيس قبل الكفارة أو قبل إتمامها لم يترتب على ذلك إلا أنه آثم إذ لا يمكن أن يترتب عليه أثر آخر ، وهذا ما بينه حديث سلمة بن صخر الذي شكا إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر منها ، فأمره بأن لا يعود إلى مثل ذلك حتى يكفر . وهذا قول جمهور الفقهاء ، وقال مجاهد عليه كفارتان .

وصريح الآية أن تتابع الصيام شرط في التكفير وعليه فلو أفطر في خلاله دون عذر وجب عليه إعادته .

ولا يمس امرأته حتى يتم الشهرين متتابعين ، فإن مسها في خلال الشهرين أثم ووجب عليه إعادة الشهرين . وقال الشافعي : إذا كان الوطء ليلا لم يبطل التتابع لأن الليل ليس محلا للصوم ، وهذا هو الجاري على القياس وعلى مقتضى حديث سلمة بن صخر .

وأما كونه آثما بالمسيس قبل تمام الكفارة فمسألة أخرى فمن العجب قول أبي بكر ابن العربي في كلام الشافعي أنه كلام من لم يذق طعم الفقه لأن الوطء الواقع في خلال الصوم ليس بالمحل المأذون فيه بالكفارة فإنه وطء تعد فلا بد من الامتثال للأمر بصوم لا يكون في أثنائه وطء . اهـ .

والمسكين : الشديد الفقر ، وتقدم في سورة براءة .

والمظاهر إن كان قادرا على بعض خصال الكفارة وأبى أن يكفر انقلب ظهاره إيلاء . فإن لم ترض المرأة بالبقاء على ذلك فله أجل الإيلاء فإن انقضى الأجل [ ص: 22 ] طلقت عليه امرأته إن طلبت الطلاق . وإن كان عاجزا عن خصال الكفارة كلها كان كالعاجز عن الوطء بعد وقوعه منه فتبقى العصمة بين المتظاهر وامرأته ولا يقربها حتى يكفر .

وقد أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بكفارة سلمة بن صخر من أموال بيت المال فحق على ولاة الأمور أن يدفعوا عن العاجز كفارة ظهاره ، فإن تعذر ذلك فالظاهر أن الكفارة ساقطة عنه ، وأنه يعود إلى مسيس امرأته ، وتبقى الكفارة ذنبا عليه في ذمته لأن الله أبطل طلاق الظهار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث