الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه

ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول .

إن كانت هذه الآية والآيتان اللتان بعدها نزلت مع الآية التي قبلها حسبما يقتضيه ظاهر ترتيب التلاوة كان قوله تعالى نهوا عن النجوى مؤذنا بأنه سبق نهي عن النجوى قبل نزول هذه الآيات ، وهو ظاهر قول مجاهد ، وقتادة نزلت في قوم من اليهود والمنافقين نهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التناجي بحضرة المؤمنين فلم ينتهوا ، فنزلت ، فتكون الآيات الأربع نزلت لتوبيخهم وهو ما اعتمدناه آنفا .

وإن كانت نزلت بعد الآية التي قبلها بفترة كان المراد النهي الذي أشار إليه قوله تعالى ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة كما تقدم بأن لم ينتهوا عن النجوى بعد أن سمعوا الوعيد عليها بقوله تعالى ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، فالمراد بـ الذين نهوا عن النجوى هم الذين عنوا بقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية .

و " ثم " في قوله ثم يعودون للتراخي الرتبي لأن عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنه أعظم من ابتداء النجوى لأن ابتداءها كان إثما لما اشتملت عليه نجواهم من نوايا سيئة نحو النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين فأما عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها فقد زادوا به تمردا على النبيء - صلى الله عليه وسلم - ومشاقة للمسلمين .

فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا اقتضاه استمرار المنافقين على نجواهم .

[ ص: 29 ] والاستفهام في قوله ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى تعجيبي مراد به توبيخهم حين يسمعونه .

والرؤية بصرية بقرينة تعديتها بحرف إلى .

والتعريف في النجوى تعريف العهد لأن سياق الكلام من نوع خاص من النجوى . وهي النجوى التي تحزن الذين آمنوا كما ينبئ عنه قوله تعالى إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا .

ويجوز أن يكون النهي عن جنس النجوى في أول الأمر يعم كل نجوى بمرأى من الناس سدا للذريعة ، قال الباجي في المنتقى : روي أن النهي عن تناجي اثنين أو أكثر دون واحد أنه كان في بدء الإسلام فلما فشا الإسلام وآمن الناس زال هذا الحكم لزوال سببه .

قال ابن العربي في أحكام القرآن عند قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم الآية في سورة النساء . إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين : أحدهما الإخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه ، والثاني النصيحة لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، فالنجوى خلاف هذين الأصلين وبعد هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويخص به بعضهم بعضا ، فرخص ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين . اهـ .

وفي الموطأ حديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد . زاد في رواية مسلم إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه .

واختلف في محمل هذا النهي على التحريم أو على الكراهة ، وجمهور المالكية على أنه للتحريم قال ابن العربي في القبس فإن كان قوله مخافة أن يحزنه من قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقد انحسم التأويل ، وإن كان من قول الراوي فهو أولى من تأويل غيره . وقال ابن قاسم : سمعت مالكا يقول : لا يتناجى أربعة دون واحد . وأما تناجي جماعة دون جماعة فإنه أيضا مكروه أو محرم . اهـ . وحكى النووي الإجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ابن التين بحديث ابن مسعود قال فأتيته يعني النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو في ملأ فساررته . وحديث عائشة في قصة فاطمة دال على الجواز .

[ ص: 30 ] وقال ابن عبد البر : لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما .

وألحق بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة لا يعرفها ثالث معهما .

والقول في استعمال ثم يعودون لما نهوا عنه في معناه المجازي وتعديته باللام نظير القول في قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا .

وكذلك القول في موقع " ثم " عاطفة الجملة .

وصيغة المضارع في يعودون دالة على التجدد ، أي يكررون العدد بحيث يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي ، فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا .

و لما نهوا عنه هو النجوى ، فعدل عن الإتيان بضمير النجوى إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله حسبهم جهنم على ما في الصلة من التسجيل على سفههم .

وقرأ الجمهور يتناجون بصيغة التفاعل من ناجى المزيد . وقرأه حمزة ، ورويس ، ويعقوب " وينتجون " بصيغة الافتعال من نجا الثلاثي المجرد أي سار غيره ، والافتعال يرد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا .

والإثم : المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين .

والعدوان بضم العين : الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين .

ومعصية الرسول : مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم يعودون لها .

والباء للملابسة ، أي يتناجون ملابسين الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وهذه الملابسة متفاوتة . فملابسة الإثم والعدوان ملابسة المتناجي في شأنه لفعل المناجين . وملابسة معصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملابسة المقارنة للفعل ، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - عنها معصية ، وفي قوله نهوا عن النجوى وقوله ومعصية الرسول دلالة على أنهم منافقون لا يهود لأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ما كان [ ص: 31 ] ينهى اليهود عن أحوالهم . وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد ، وقتادة ، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث