الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة عنده

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2304 [ ص: 549 ] 9 - باب: إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة عنده

2436 - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد - مولى المنبعث - عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة، قال: " عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه". قالوا: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: "خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرت وجنتاه - أو احمر وجهه - ثم قال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها". [انظر: 91 - مسلم: 1722 - فتح: 5 \ 91]

التالي السابق


ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني أيضا. وفيه: "ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه ".

وقد أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب اللقطة إذا جاء بعد الحول أن الذي وجدها يلزمه ردها إليه لقوله: "فأدها إليه". وقد أسلفنا أن بعض من ينسب إلى العلم وحقه منه أن يوسم منه مخالفة الأئمة خالف إجماعهم في اتباع هذا الحديث، وخالف قوله: ("فأدها إليه") وقال: لا يؤدي إليه شيئا بعد الحول؛ استدلالا منه بما سلف من قوله: ("فشأنك بها")؛ لأن هذا إطلاق منه على ملكها ولا يلزمه تأديتها، وهذا قول يؤدي إلى تناقض السنن، وقد جل الشارع أن تتناقض سننه.

وقوله: ("فأدها إليه") فيه بيان وتفسير لقوله: ("فشأنك بها") ولو كان المراد بقوله: "فشأنك بها" انطلاق يده عليها وسقوط ضمانها عنه لبطلت فائدة قوله: ("فأدها إليه") واستعمال الحديثين لفائدتين أولى [ ص: 550 ] من إسقاط إحداهما، هذه طريقة العلماء في التأليف بين الآثار والقضاء بالمجمل على المفسر.

واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها أو يتصدق بها. فروي عن علي وابن عباس أنه يتصدق بها ولا يأكلها وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي، وإليه ذهب الثوري، وقال أبو حنيفة : لا يأكلها الغني، والفقير يأكلها بشرط الضمان.

وروى ابن القاسم عن مالك أنه استحب له أن يتصدق بها، وقد أسلفنا هذا عنه. وروى ابن وهب عنه: إن شاء أمسكها وإن شاء استنفقها، وإن شاء تصدق بها فإن جاء صاحبها أداها إليه.

وروي مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وهو قول عطاء، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق .

وقوله: ("ثم استنفق بها") حجة لمن قال: يصنع بها ما شاء من صدقة بها أو أكل أو غيره لعمومه، ولم يخص وجها يستنفقها فيه من غيره، وأيضا فإنه لما قال: "استنفق بها" لم يفرق بين الغني والفقير دل على رد قول أبي حنيفة .

تنبيهان:

الأول: إنما لم يذكر البخاري في هذا الباب رواية سليمان بن بلال [ ص: 551 ] عن يحيى بن سعيد : "وكانت وديعة عنده"، وذكرها في باب ضالة الغنم؛ لأنه قد بين سليمان في الحديث: أن يحيى بن سعيد قال عن يزيد مولى المنبعث : لا أدري أفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أم شيء من عنده؟ فاستراب البخاري بهذا الشك، وترجم بالمعنى ولم يذكره في الحديث؛ لأنه استغنى بقوله: "فأدها إليه" عن قوله: "وكانت وديعة عنده".

ثانيهما: ترجمة البخاري السالفة إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها، اعترض عليها ابن التين، فقال: ليس هو بقول مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار. واحتج البخاري بقوله: "فشأنك بها" أي: خذها بشرط الضمان إن جاء صاحبها بدليل رواية الباب، وحينئذ فلا تنافي بينهما، وتأويل ذلك مناف، فما سمعنا به هو الصواب.

فائدة:

في الحديث: (حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه) ، الظاهر أنه من الراوي.

والوجنة: مثلثة الواو، ووجنة: بفتح الجيم وكسرها، قاله كراع. زاد غيره: أجنة بضم الألف: وهي أعلى الخد والعظم المشرف عليه، والجمع: وجنات.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث