الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم

يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون .

هذا متصل بقوله ويحلفون على الكذب إلى قوله اتخذوا أيمانهم جنة وتقدم الكلام على نظير قوله " يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا " . كما سبق آنفا في هذه السورة ، أي اذكر يوم يبعثهم الله .

وحلفهم لله في الآخرة إشارة إلى ما حكاه الله عنهم في قوله ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين .

والتشبيه في قوله كما يحلفون لكم كما في صفة الحلف ، وهي قولهم : إنهم غير مشركين ، وفي كونه حلفا على الكذب ، وهم يعلمون ، ولذلك سماه تعالى فتنة في آية الأنعام . قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين .

ومعنى ويحسبون أنهم على شيء يظنون يومئذ أن حلفهم يفيدهم تصديقهم عند الله فيحسبون أنهم حصلوا شيئا عظيما ، أي نافعا .

و على للاستعلاء المجازي وهو شدة التلبس بالوصف ونحوه كقوله أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة .

وحذفت صفة شيء لظهور معناها من المقام ، أي على شيء نافع كقوله تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل . وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الكهان ( ليسوا بشيء ) .

وهذا يقتضي توغلهم في النفاق ومرونتهم عليه وأنه باق في أرواحهم بعد بعثهم لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلقة به ، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا في عالم التكليف . وحكمة إيجاد النفوس في الدنيا هي تزكيتها وتصفية [ ص: 53 ] أكدارها لتخلص إلى عالم الخلود طاهرة ، فإن هي سلكت مسلك التزكية تخلصت إلى عالم الخلود زكية ويزيدها الله زكاء وارتياضا يوم البعث . وإن انغمست مدة الحياة في حمأة النقائص وصلصال الرذائل جاءت يوم القيامة على ما كانت عليه تشويها لحالها . لتكون مهزلة لأهل المحشر . وقد تبقى في النفوس الزكية خلائق لا تنافي الفضيلة ولا تناقض عالم الحقيقة مثل الشهوات المباحة ولقاء الأحبة قال تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون . وفي الحديث : أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : إن رجلا من أهل الجنة يستأذن ربه أن يزرع ، فيقول الله : أولست فيما شئت قال : بلى ، ولكن أحب أن أزرع ، فأسرع وبذر فيبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال . وكان رجل من أهل البادية عند النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، لا نجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبيء - صلى الله عليه وسلم - إقرارا لما فهمه الأعرابي .

وفي حديث جابر بن عبد الله عن مسلم أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال يبعث كل عبد على ما مات عليه . قال عياض في الإكمال هو عام في كل حالة مات عليها المرء . قال السيوطي : يبعث الزمار بمزماره . وشارب الخمر بقدحه اهـ . قلت : ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هي عليه إذ تصير العلوم على الحقيقة .

وختم هذا الكلام بقوله تعالى ألا إنهم هم الكاذبون وهو تذييل جامع لحال كذبهم الذي ذكره الله بقوله ويحلفون على الكذب . فالمراد أن كذبهم عليكم لا يماثله كذب ، حتى قصرت صفة الكاذب عليهم بضمير الفصل في قوله ألا إنهم هم الكاذبون وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بكذب غيرهم . وأكد ذلك بحرف التوكيد توكيدا لمفاد الحصر الادعائي وهو أن كذب غيرهم كلا كذب في جانب كذبهم ، وبأداة الاستفتاح المقتضية استمالة السمع لخبرهم لتحقيق تمكن صفة الكذب منهم حتى أنه يلازمهم يوم البعث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث