الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .

كان للمنافقين قرابة بكثير من أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، وكان نفاقهم لا يخفى على بعضهم ، فحذر الله المؤمنين الخالصين من موادة من يعادي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .

ورويت ثمانية أقوال متفاوتة قوة أسانيد استقصاها القرطبي في نزول هذه الآية [ ص: 58 ] وليس يلزم أن يكون للآية سبب نزول فإن ظاهرها أنها متصلة المعنى بما قبلها وما بعدها من ذم المنافقين وموالاتهم اليهود ، فما ذكر فيها من قصص لسبب نزولها فإنما هو أمثلة لمقتضى حكمها .

وافتتاح الكلام بـ لا تجد قوما يثير تشويقا إلى معرفة حال هؤلاء القوم وما سيساق في شأنهم من حكم .

والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - . والمقصود منه أمره بإبلاغ المسلمين أن موادة من يعلم أنه محاد الله ورسوله هي مما ينافي الإيمان ليكف عنها من عسى أن يكون متلبسا بها . فالكلام من قبل الكناية عن السعي في نفي وجدان قوم هذه صفتهم ، من قبيل قولهم : لا أرينك هاهنا ، أي لا تحضر هنا .

ومنه قوله تعالى قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض أراد بما لا يكون ، لأن ما لا يعلمه الله لا يجوز أن يكون موجودا ، وكانت هذه عادة المؤمنين قبل الهجرة أيام كانوا بمكة . وقد نقلت أخبار من شواهد ذلك متفاوتة القوة ولكن كان الكفر أيامئذ مكشوفا والعداوة بين المؤمنين والمشركين واضحة . فلما انتقل المسلمون إلى المدينة كان الكفر مستورا في المنافقين فكان التحرز من موادتهم أجدر وأحذر .

والموادة أصلها : حصول المودة في جانبين . والنهي هنا إنما هو عن مودة المؤمن الكافرين لا عن مقابلة الكافر المؤمنين بالمودة ، وإنما جيء بصيغة المفاعلة هنا اعتبارا بأن شأن الود أن يجلب ودا من المودود للواد .

وإما أن تكون المفاعلة كناية عن كون الود صادقا لأن الواد الصادق يقابله المودود بمثله . ويعرف ذلك بشواهد المعاملة ، وقرينة الكناية توجيه نفي وجدان الموصوف بذلك إلى القوم الذين يؤمنون بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك لم يقل الله هنا إلا أن تتقوا منهم تقاة ، لأن المودة من أحوال القلب فلا تتصور معها التقية ، بخلاف قوله لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلى قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة .

[ ص: 59 ] وقوله ولو كانوا آباءهم إلى آخره مبالغة في نهاية الأحوال التي قد يقدم فيها المرء على الترخص فيما نهي عنه بعلة قرب القرابة .

ثم إن الذي يحاد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إن كان متجاهرا بذلك معلنا به ، أو متجاهرا بسوء معاملة المسلمين لأجل إسلامهم لا لموجب عداوة دنيوية ، فالواجب على المسلمين إظهار عداوته ، قال تعالى إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ولم يرخص في معاملتهم بالحسنى إلا لاتقاء شرهم إن كان لهم بأس قال تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة .

وأما من عدا هذا الصنف فهو الكافر الممسك شره عن المسلمين ، قال تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين .

ومن هذا الصنف أهل الذمة وقد بين شهاب الدين القرافي في الفرق التاسع عشر بعد المائة مسائل الفرق بين البر والمودة وبهذا تعلم أن هذه الآية ليست منسوخة بآية لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين وأن لكل منهما حالتها .

ف لو وصلية وتقدم بيان معنى لو الوصلية عند قوله تعالى فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ورتبت أصناف القرابة في هذه الآية على طريقة التدلي من الأقوى إلى من دونه لئلا يتوهم أن النهي خاص بمن تقوى فيه ظنة النصيحة له والائتمار بأمره .

وعشيرة الرجل قبيلته الذين يجتمع معهم في جد غير بعيد وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن أهل الإيمان الكامل لا يوادون من فيه معنى من محادة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بخرق سياج شريعته عمدا . والاستخفاف بحرمات الإسلام ، وهؤلاء مثل أهل الظلم والعدوان في الأعمال من كل ما يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين وينبئ عن ضعف احترامه للدين مثل المتجاهرين بالكبائر والفواحش الساخرين [ ص: 60 ] من الزواجر والمواعظ ، ومثل أهل الزيغ والضلال في الاعتقاد ممن يؤذن حالهم بالإعراض عن أدلة الاعتقاد الحق ، وإيثار الهوى النفسي والعصبية على أدلة الاعتقاد الإسلامي الحق . فعن الثوري أنه قال : كانوا يرون تنزيل هذه الآية على من يصحب سلاطين الجور . وعن مالك : لا تجالس القدرية وعادهم في الله لقوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله .

وقال فقهاؤنا : يجوز أو يجب هجران ذي البدعة الضالة أو الانغماس في الكبائر إذا لم يقبل الموعظة .

وهذا كله من إعطاء بعض أحكام المعنى الذي فيه حكم شرعي أو وعيد لمعنى آخر فيه وصف من نوع المعنى ذي الحكم الثابت . وهذا يرجع إلى أنواع من الشبه في مسالك العلة للقياس فإن الأشياء متفاوتة في الشبه .

وقد استدل أيمة الأصول على حجية الإجماع بقوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم مع أن مهيع الآية المحتج بها إنما هو الخروج عن الإسلام ولكنهم رأوا الخروج مراتب متفاوتة فمخالفة إجماع المسلمين كلهم فيه شبه اتباع غير سبيل المؤمنين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث