الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وكل ماء من بحر عذب أو مالح أو بئر أو سماء أو برد أو ثلج مسخن وغير مسخن فسواء

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : وكل ماء من بحر عذب أو مالح أو بئر أو سماء أو برد أو ثلج مسخن وغير مسخن فسواء ، والتطهر به جائز " .

قال الماوردي : اعترض على الشافعي في هذا الفصل من ذكرنا من طريق اللغة فقالوا : قوله " فكل ماء من بحر عذب أو مالح " خطأ في اللغة ، لأن العرب تقول : ماء ملح ، ولا تقول : مالح ، وإنما هذا من كلام العامة .

والجواب عنه من وجهين :

أحدهما : أن الشافعي قصد به إفهام العامة ، لأنه لو قال ماء ملح لأشكل عليهم وإن كان هو الصواب .

والجواب الثاني : أن العرب تقول ماء ملح وماء مالح . قال عمر بن أبي ربيعة وهو شاعر قريش : [ ص: 40 ]

فلو تفلت في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا

وقال آخر :


تلونت ألوانا علي كثيرة     وخالط عذبا من إخايك مالح

وماء البحر طاهر مطهر غير مكروه ، وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وسعيد بن المسيب ، أنهم كرهوه وقدموا التيمم عليه استدلالا بقوله تعالى : وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج [ فاطر : 12 ] . فمنعه من التسوية بينهما يمنع من تساوي الحكم في الطهارة بهما ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البحر نار من نار .

ودليلنا قوله عليه السلام في البحر : " البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته " . وروى الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عبد العزيز بن عمر ، عن سعيد بن ثوبان ، عن أبي هند الفراسي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من لم يطهره البحر فلا طهره الله " ولأن الماء قد يختلف في طعمه ولونه ، فلما لم يكن اختلاف ألوانه يمنع من تساوي الحكم في الطهارة به لم يكن اختلاف طعمه مانعا من تساوي حكمه في الطهارة . وأما قوله : " وما يستوي البحران [ فاطر : 12 ] . فإنما نعني ما ذكره من أن أحدهما عذب فرات سائغ شرابه ، والآخر ملح أجاج غير سائغ شرابه .

وأما قوله عليه السلام : " البحر نار في نار " يعني أنه كالنار لسرعة إتلافه أو أنه يصير يوم القيامة نارا لقوله تعالى : " وإذا البحار سجرت [ التكوير : 6 ] . فثبت أن لا فرق بين الماء المالح والعذب ، فأما الماء الذي ينعقد منه الملح فإن ابتدأ بالجمود خرج عن حد الجاري ، فلم يجز استعماله ، وإن كان ماء جاريا فهو ضربان : ضرب يصير ملحا بجوهره في الماء ، دون البرية كأعين الملح التي تنبع ماء مائعا ويصير جوهره ملحا جامدا ، فظاهر مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه جواز استعماله ؛ لأن اسم الماء المطلق يتناوله في الحال ، وإن كان هذا الاسم يؤول عنه إذا جمد في ثاني الحال كما يجمد الماء فيصير ثلجا . قال أبو سهل الصعلوكي : لا يجوز استعماله ، لأنه جنس آخر غير الماء كالنفط والقار .

[ ص: 41 ] فصل : وأما قول الشافعي : أو بئر أو سماء . فإنما أراد ماء بئر أو ماء سماء فحذف ذكر الماء اكتفاء بفهم السامع كما قال تعالى : وما يستوي البحران [ فاطر : 2 ] . يعني ماء البحرين ، وأما ماء السماء فقد دللنا على جواز الطهارة به لقوله : وأنزلنا من السماء ماء طهورا [ الفرقان : 48 ] . وأما ماء البئر والعين والنهر فبقوله تعالى : " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض [ الزمر : 2 ] . يعني : بها ماء البئر والعين والنهر .

فصل : وأما قوله : أو برد أو ثلج . فيريد به أيضا ماء برد أو ماء ثلج ، والدليل على جواز الطهارة به ما روي عنه عليه السلام أنه قال : اللهم طهرني بماء الثلج والبرد كما تطهر الثوب من الدرن " ولأنه كان ماء فجمد ، ثم صار ماء حين ذاب وانحل ، فأما إذا أخذ الثلج والبرد فدلك به أعضاء طهارته قبل ذوبانه وانحلاله ، قال الأوزاعي : يجزيه ، وإطلاق ما قاله الأوزاعي غير صحيح ، لأن إمراره الثلج على أعضائه يكون مسحا يصل إلى العضو بكل الماء ، فإن كان المستحق في العضو المسح كالرأس أجزأه بحصول المسح ، وإن كان المستحق الغسل لم يجز ؛ لأن حد الغسل أن يجري الماء بطبعه ، وهذا مسح ، وليس بغسل ، ومسح ما يجب غسله غير مجزئ ، فلو كان في إمراره على الأعضاء يذوب عليها ثم يجري ماؤه عليها ففي جوازه وجهان لأصحابنا ، أحدهما : يجزئ لحصول الغسل بجريان الماء على الأعضاء ، والثاني : لا يجزئ لأنه بعد ملاقاة الأعضاء صار جاريا .

فصل : وأما قوله " مسخن وغير مسخن فسواء ، والتطهر به جائز " فإنما قصد بالمسخن أمرين :

أحدهما : الفرق بين المسخن بالنار وبين الحامي بالشمس في أن المسخن غير مكروه والمشمس مكروه .

والثاني : الرد على طائفة منهم مجاهد ، وزعموا أن المسخن بالنار مكروه ، وهذا غير صحيح ، لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسخن له الماء فيستعمله والصحابة يعلمون ذلك منه ، ولا ينكرونه ، ولأن تسخين الماء بمنزلة التبريد يرفعان عنه تارة ويحلان فيه أخرى ، فلما لم يكن تبريده مانعا من استعماله لم يكن تسخينه الدافع لرده مانعا من استعماله ، ولعل مجاهدا كره منه ما اشتد حماه ، فلم يمكن استعماله ، وذلك عندنا [ ص: 42 ] مكروه ، وكذلك كما اشتد برده فلم يمكن استعماله ، فإذا تقرر هذا فالمياه كلها نوعان : نوع نزل من السماء وهو ثلاثة مياه : ماء المطر ، وماء الثلج ، وماء البرد ، ونوع ينبع من الأرض وهو أربع مياه : ماء البحر ، وماء النهر ، وماء العين ، وماء البئر ، وجميع هذه المياه طاهرة مطهرة على اختلافها في اللون والطعم والرائحة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث