الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( باب ما جاء في شيب رسول الله ) .

وفي نسخة " النبي " . ( صلى الله عليه وسلم ) : الشيب والشيبة مصدران ومعناه كون الشعر أبيض ، كذا في التاج ، وأردف باب الشعر بباب الشيب لأنه من عوارضه .

( حدثنا محمد بن بشار أخبرنا أبو داود ) : أي الطيالسي لأنه سمع همام بن يحيى دون المصاحفي وكأنه أشار بترك وصفه بالمصاحفي أنه لم يقصد المصاحفي ، واسمه سليمان بن داود ، ثقة ، حافظ ، غلط في أحاديث ، روى عنه البخاري في التاريخ والترمذي في الشمائل . ( أخبرنا ) : وفي نسخة " حدثنا " . ( همام ) : بتشديد الميم ، أي ابن يحيى ، به يتميز عن همام بن منبه ، والأول ثقة ، ربما وهم ، أخرج حديثه الأئمة الستة . ( عن قتادة ) : تابعي ، مشهور . ( قال : قلت لأنس بن مالك : هل خضب ) : بفتح الضاد المعجمة ، أي هل صبغ . ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : أي شعره . ( قال : لم يبلغ ) : أي شعره . ( ذلك ) : أي محل الخضاب كذا قيل ، والأصح أن الضمير المستكن في " لم يبلغ " راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والمشار إليه بذلك هو الخضاب الذي هو مستفاد من خضب ، ويؤيده ما وقع عند مسلم من رواية محمد بن سيرين ، قال : سألت أنس بن مالك : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خضب ؟ فقال : لم يبلغ الخضاب . أي حده ، وكأنه أشار باسم الإشارة إلى بعد وقت الخطاب ، ويجوز أن يكون الضمير المستكن راجعا إلى الشيب المذكور حكما بقرينة خضب ، أي ما بلغ شيبه ذلك أي مبلغا يحتاج إلى الخضاب ، ويؤيده قوله : ( إنما كان ) : أي شيبه . ( شيئا ) : أي قليلا ، وفي نسخة " شيبا " ، أي بياضا يسيرا ، واقتصر عليه ميرك ، وقال ابن حجر : التقدير إنما كان يخضب شيبا . وفيه أنه مع كونه مخالفا لسائر رواياته الصريحة بنفي الخضاب ما يناسب عنوان الباب ، والله أعلم بالصواب . ( في صدغيه ) : بضم فسكون لمهملتين أي كائنا فيه ، وهو ما بين العين والأذن ، ويسمى الشعر النابت عليه صدغا أيضا وهو المراد هنا ، أو هو من باب إطلاق المحل وإردة الحال ، وربما قالوا السدغ بالسين ، قيل : وقع في رواية البخاري بلفظ " إنما كان شيء " بالرفع أي شيء من الشيب ، واعلم أن الحصر أو التأكيد المستفاد من " إنما " على خلاف " فيه " ينافي ما سيأتي أنه ما عد في رأسه ولحيته صلى الله [ ص: 109 ] عليه وسلم إلا أربع عشرة شعرة بيضاء ، اللهم إلا أن يقال : الحصر هنا بالقياس إلى ما في اللحية ، قال العصام : ويعلم منه قلة شيب الرأس أيضا ; لأنه أول ما يبدو الشيب في الصدغين . وقال شارح : المراد حصر شيب يكون وهو في اللحية . قال العصام : وفيه أنه ينافي ما سيأتي في حديث " وبرأسه ردغ " ، انتهى . ويمكن دفعه بأن وضع الردغ على الرأس إنما كان لمنفعة أخرى غير الخضاب ، هذا وقد جاء في صحيح البخاري من أن الشعر الأبيض كان في عنفقته وهي ما بين الذقن والشفة السفلى ، قال العسقلاني : وجه الجمع ما وقع عند مسلم عن أنس قال : لم يخضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ . بضم ففتح أو بفتح فسكون ، أي شعرات متفرقة ، وعرف من مجموع ذلك أن الذي شاب من عنفقته أكثر مما شاب من غيرها ، ومراد أنس أنه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب ، وقد صرح بذلك في رواية محمد بن سيرين قال : سألت أنس بن مالك : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خضب ؟ قال : لم يبلغ الخضاب . ولمسلم من طريق حماد عن ثابت عن أنس : لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه لفعلت . زاد ابن سعد والحاكم " ما شأنه بالشيب " ، ولمسلم من حديث جابر بن سمرة : قد شمط مقدم رأسه ولحيته ، وكان إذا دهن لم يتبين ، فإن لم يدهن تبين ، انتهى كلامه . وقال ميرك : لم يظهر لي وجه الجمع بما ذكر فليتأمل فيه ، أقول : والذي يظهر لي أن مراده ، والله أعلم ، أن هذا الحديث مقتطع من حديث طويل لأنس فالجمع باعتبار المجموع ، ثم كلام العسقلاني متضمن للجواب عن إشكال آخر ، وهو أنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خضب - كما سيأتي في باب الخضاب - فأشار إلى دفعه بأن مراد أنس أنه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب ، وهو لا ينافي الخضاب ، وبه اندفع قول ابن حجر ، وقوله " لم يخضب " إنما قاله بحسب علمه لأن نفي علمه وهو الخادم الملازم له صلى الله عليه وسلم بعيد جدا كما لا يخفى ، قيل : ثبت عن ابن عمر في الصحيحين أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة . وأجيب بأنه يحتمل أنه صبغ تلك الشعرات القليلة في حين من الأوقات وتركه في معظم الأوقات ، فأخبر كل بما رأى ، وكلاهما صادق ، ويمكن أن يقال : من نفى الصبغ أراد نفيه بصفة الدوام والأغلبية ، ومن أثبته أراد إثباته بطريق الندرة ، فلا منافاة ، قيل : ويحتمل أن المثبت يريد أنه صلى الله عليه وسلم صبغ الثوب ، ورد بأنه ثبت عن ابن عمر أنه كان يصفر لحيته . ( ولكن أبو بكر رضي الله عنه ) : وجه الاستدراك مادة مناسبته له صلى الله عليه وسلم وقربه منه سنا . ( خضب بالحناء ) : بكسر المهملة وتشديد نون ، وبالمد ، معروف . ( والكتم ) : بفتحتين والتاء مخففة ، كذا في النسخ المصححة ، ففي النهاية قال أبو عبيد : الكتم بتشديد التاء والمشهور التخفيف ، واختلفوا في تفسيره ففي بعض كتب اللغة : هو ورق يشبه ورق الآس ، يصبغ به . وفي المهذب : هو الوسمة . وفي الصحاح : الكتم نبت يخلط مع الوسمة للخضاب ، والمكتومة دهن للعرب أحمر ، ويجعل فيه الزعفران أو الكتم . وفي الفائق : هو نبت يخلط مع الوسمة للخضاب الأسود . وفي النهاية : يشبه أن يكون معنى الحديث أنه صبغ بكل منهما منفردا عن الآخر فإن الخضاب [ ص: 110 ] بهما يجعل الشعر أسود ، وقد صح النهي عن السواد ، ولعل الحديث بالحناء أو الكتم بأو على التخيير ، ولكن الروايات على اختلافها بالواو ، انتهى . ويمكن أن يكون التقدير خضب بالحناء تارة وبالكتم أخرى ، على أن الواو قد تجيء بمعنى أو كما قيل في قولهم : الكلمة اسم وفعل وحرف ، وقال الشاطبي رحمه الله في باب البسملة : وصل واستكن . وقد قال شارحو كلامه : أن المراد بالواو التخيير . وقال العسقلاني : الكتم الصرف يوجب سوادا مائلا إلى الحمرة ، والحناء توجب الحمرة فاستعمالهما يوجب ما بين السواد والحمرة ، انتهى . فالواو على أصله لمطلق الجمع ، ويؤيده ما في المغرب ، وعن الأزهري : أن الكتم نبت فيه حمرة ، ومنه حديث أبي بكر " كان يخضب بالحناء والكتم ولحيته كأنها ضرام عرفج " ، انتهى . والضرام دقاق الحطب الذي يسرع اشتعال النار فيه ، والعرفج نبت في السهل ، كذا في الصحاح ، وقال الجزري : وقد جرب الحناء والكتم جميعا فلم يسود بل يغير صفرة الحناء وحمرته إلى الخضرة ونحوها فقط من غير أن يبلغ السواد ، وكذا رأيناه وشاهدناه ، هذا وقد قال ميرك : الحديث هكذا في رواية قتادة ووافقه ابن سيرين عند مسلم من طريق عاصم الأحول عنه بذكر أبي بكر فقط ، ولفظه : قلت له : أكان أبو بكر يخضب ؟ فقال : نعم ، بالحناء والكتم ، وأخرج أحمد من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين بلفظ : " ولكن أبا بكر وعمر خضبا بالحناء والكتم " ، وأظن أن ذكر عمر فيه وهم ; لما في مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بلفظ : " وقد اختضب أبو بكر بالحناء والكتم واختضب عمر بالحناء بحتا " ، أي صرفا . قال العسقلاني : وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائما ، انتهى . وفيه نظر إذ الدوام غير مفهوم من الكلام ، قال الحنفي : ينبغي أن يعلم أن هذا الحديث أنسب بالباب الذي يجيء بعده ، انتهى . وفيه أنه لما كان الخضاب منفيا والشيب مثبتا في هذا الحديث ناسب ذكره في هذا الباب ; لأن موضوع ذلك الباب إنما هو ثبوت الخضاب ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث