الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 82 - 83 ] ولا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده وينفذ بها حكمه وهي سبعة : فالشرط الأول منها أن يكون رجلا وهذا الشرط يجمع صفتين البلوغ والذكورية ، فأما البلوغ فإن غير البالغ لا يجري عليه قلم ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم وكان أولى أن لا يتعلق على غيره حكم .

وأما المرأة فلنقص النساء عن رتب الولايات وإن تعلق بقولهن أحكام . وقال أبو حنيفة : يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيها شهادتها ، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها . وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام ، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } .

يعني في العقل والرأي ، فلم يجز أن يقمن على الرجال .

والشرط الثاني : وهو مجمع على اعتباره ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن السهو والغفلة يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل .

والشرط الثالث : الحرية ، لأن نقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره ، ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية وكذلك الحكم فيمن لم تكمل حريته من المدبر والمكاتب ومن رق بعضه ، ولا يمنعه الرق أن يفتي كما لا يمنعه الرق أن يروي بعدم الولاية [ ص: 84 ] في الفتوى والرواية . ويجوز له إذا عتق أن يقضي وإن كان عليه ولاء لأن النسب غير معتبر في ولاية الحكم .

والشرط الرابع : الإسلام لكونه شرطا في جواز الشهادة مع قول الله سبحانه وتعالى : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } .

ولا يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار .

قال أبو حنيفة يجوز تقليده القضاء بين أهل دينه ، وهذا وإن كان عرف الولاة بتقليده جاريا فهو تقليد زعامة ورئاسة وليس بتقليد حكم وقضاء ، وإنما يلزمهم حكمه لالتزامهم له لا لزومه لهم ، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم . وإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ .

والشرط الخامس : العدالة وهي معتبرة في كل ولاية والعدالة : أن يكون صادق اللهجة ظاهر الأمانة ، عفيفا عن المحارم متوقيا المآثم ، بعيدا من الريب ، مأمونا في الرضا والغضب ، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه ، فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته ، وإن انخرم منها وصف منع من الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم .

والشرط السادس : السلامة في السمع والبصر ليصح بهما إثبات الحقوق ويفرق بين الطالب والمطلوب ، ويميز المقر من المنكر ليتميز له الحق من الباطل ، ويعرف المحق من المبطل ، فإن كان ضريرا كانت ولايته باطلة ، وجوزها مالك كما جوز شهادته ، وإن كان أصم فعلى الاختلاف المذكور في الأمانة ; فأما سلامة الأعضاء فغير معتبرة فيه وإن كانت معتبرة في الإمامة ، فيجوز أن يقضي وإن كان مقعدا ذا زمانة وإن كانت السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية .

والشرط السابع : أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وعلمه بها يشتمل على علم أصولها والارتياض بفروعها .

وأصول الأحكام في الشرع أربعة :

أحدها علمه بكتاب الله عز وجل على [ ص: 85 ] الوجه الذي تصح به معرفة ما تضمنه من الأحكام ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعموما وخصوصا ومجملا ومفسرا .

والثاني : علمه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله وطرق مجيئها في التواتر والآحاد والصحة والفساد . وما كان عن سبب أو إطلاق .

والثالث علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الإجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف .

والرابع : علمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل ، فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها من أهل الاجتهاد في الدين ، وجاز له أن يفتي ويقضي ، وجاز له أي يستفتي ويستقضي ، وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي . فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطإ كان تقليده باطلا وحكمه وإن وافق الحق والصواب مردودا ، وتوجه الحرج فيما قضي به عليه وعلى من قلده الحكم والقضاء .

وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتي في أحكامه وقضاياه ، والذي عليه جمهور الفقهاء أن ولايته باطلة وأحكامه مردودة ، ولأن التقليد في فروع الشرع ضرورة فلم يتحقق إلا في ملتزم الحق دون ملزمه . قد { اختبر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن واليا وقال : بم تحكم ؟ قال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ؟ قال بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال أجتهد برأيي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله } .

فأما ولاية من لا يقول بخبر الواحد فغير جائزة ، لأنه تارك لأصل قد اجتمعت عليه الصحابة وأكثر أحكام الشرع عنه مأخوذة فصار بمنزلة من لا يقول بحجة الإجماع الذي لا تجوز ولايته لرد ما ورد النص به .

وأما نفاة القياس فضربان : ضرب منهم نفوه واتبعوا ظاهر النص وأخذوا بأقاويل سلفهم فيما لم يرد فيه نص وطرحوا الاجتهاد وعدلوا عن الفكر والاستنباط ، فلا يجوز [ ص: 86 ] تقليدهم القضاء لقصورهم عن طرف الأحكام . وضرب منهم نفوا القياس واجتهدوا في الأحكام تعلقا بفحوى الكلام ومفهوم الخطاب كأهل الظاهر .

وقد اختلف أصحاب الشافعي رضي الله عنه في جواز تقليدهم القضاء على وجهين :

أحدهما : لا يجوز للمعنى المذكور .

والثاني : يجوز لأنهم يعتبرونه واضح المعاني وإن عدلوا عن خفي القياس ، فإذا ثبت ما وصفنا من الشروط المعتبرة في ولاية القضاء ، فلا يجوز أن يولى إلا بعد العلم باجتماعها فيه ; إما بتقدم معرفة ، وإما باختبار ومسألة . قد { قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام قضاء اليمن ولم يختبره لعلمه به ولكنه وصاه تنبيها على وجه القضاء فقال : إذا حضر خصمان بين يديك فلا تقض لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر } .

فقال علي عليه السلام فما أشكلت علي قضية بعدها ، وبعث معاذا إلى ناحية من اليمن واختبره صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث