الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب


( ( ومستحيل الذات غير ممكن وضده ما جاز فاسمع زكني ) )


( ( والضد والخلاف والنقيض     والمثل والغيران مستفيض ) )


( ( وكل هذا علمه محقق     فلم نطل به ولم ننمق ) )



( ( ومستحيل الذات غير ممكن ) ) أي المستحيل لذاته غير ممكن ولا مقدور ، إذ لو تعلقت به القدرة لصار ممكنا ، لأنها لا تتعلق إلا بالممكنات كما مر ، وضده أي ضد المستحيل ( ( ما ) ) أي الذي ( ( جاز ) ) وجوده وعدمه ، والحاصل أن الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه ، والمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده ، والممكن ما جاز وجوده وعدمه ، يعني قبل إيجاده . وتقدم الكلام عليه في الباب الأول ، ( ( فاسمع زكني ) ) أي علمي وفهمي وتفرسي في اختصار الكلام مع تمام الأحكام ، يقال زكن كفرح وأزكنه علمه وفهمه وتفرسه وظنه ، أو الزكن ظن بمنزلة اليقين عندك أو طرف من الظن ، وأزكنه أعلمه وأفهمه والإزكان أن تزكن شيئا بالظن فيصيب . ثم أشار إلى بعض ما ذكره النجم ابن حمدان في آخر نهاية المبتدئين فقال : ( ( والضد ) ) يعني مع ضده ، فالضدان هما ما امتنع اجتماعهما في محل واحد في زمن واحد كالسواد والبياض . والحركة والسكون ، والاجتماع [ ص: 449 ] والافتراق ، إذ الشيء الواحد لا يكون أسود أبيض في زمن واحد ، ولا يكون ساكنا متحركا في زمن واحد . قال في نهاية المبتدئين : وقيل الضدان الوصفان الوجوديان اللذان يمتنع اجتماعهما لذاتهما كالسواد والبياض . وقيل : كل ذاتين يتعاقبان على موضع واحد يستحيل اجتماعهما فيه بينهما غاية الخلاف والبعد . انتهى . وهي عبارات متقاربة المعنى في الجملة .

( ( والخلاف ) ) أي الخلافان يجتمعان يرتفعان كالحركة والبياض في الجسم الواحد ( ( والنقيضـ ) ) ـان لا يجتمعان ولا يرتفعان كالوجود والعدم المضافين إلى معين واحد ، ( ( والمثلـ ) ) ـان ما قام أحدهما مقام الآخر وسد مسده وعمل عمله ، والجواهر متماثلة ، وقيل : هما اللذان يشتركان في الصفة اللازمة فهما لا يجتمعان ويرتفعان لتساوي الحقيقة كبياض وبياض ، وأما المتشابهان فهما اللذان يتقاربان إما في الصورة وإما في استحقاق المعنى المجوز عليهما ، أو في السبب الذي تعلق به وجودهما ونحو ذلك مما تقع به المشابهة ، والمتشابهان من وجه قد يختلفان في آخر والمثلان لا يختلفان من وجه ، والمختلفان قد يختلفان من وجه ويشتبهان من وجه آخر ، ( ( والغيران ) ) هما المختلفان وقيل : هما الموجودان اللذان يمكن أن يفارق أحدهما الآخر بوجه ، فالمتفقان يقربان من المثلين وهما في التقارب على العكس من المختلفين ، وفيهما زيادة على أصح حد المتشابهين لأنه يكون التفاوت بالوصف كما في المتشابهين ، وقد يكون التفاوت بالزمان والمكان وليس ذلك في المتشابهين ، وقد يكون في المتماثلين تفاضل من وجه مثل الحركتين تكون إحداهما أشد من الأخرى ، وكذلك يتفاوت السوادان شدة وضعفا ، وكل علم ذلك معلوم عند أهل هذا الفن وعند المناطقة ، ( ( مستفيض ) ) استفاضة ظاهرة لا تخفى على أحد له اعتناء بتحصيل هذه العلوم العقلية .

( تنبيه )

قد يتعذر ارتفاع الخلافين لخصوص حقيقة كونهما خلافين كذات واجب الوجود تعالى وتقدس مع صفاته ، وقد يتعذر افتراقهما ( كالعشرة مع الزوجية خلافان ويستحيل افتراقهما ) ، والخمسة مع الفردية ، والجوهر مع الألوان ، ونحو هذا وهو كثير لكن لا تنافي بين إمكان [ ص: 450 ] الافتراق والارتفاع بالنسبة إلى الذات وتعذر الارتفاع بالنسبة إلى أمر خارجي عنها ، وهذا الذي ذكرناه كله بالنسبة إلى ممكن الوجود ، أما الله تعالى وصفاته فلا يقال بإمكان رفع شيء منها لتعذر رفعه بسبب وجوب وجوده ، وقد قدمنا في بحث الصفات ما يرشد لهذا .

( ( وكل هذا ) ) المذكور وأضعافه مما لم يذكر ( ( علمه ) ) مشهور عند أرباب الفن ( ( محقق ) ) ، وحيث كان كذلك فلنقتصر على هذا المقدار الذي ذكرناه ( ( فلم نطل به ) ) أي بذكره ، ( ( ولم ننمق ) ) من التنميق وهو التحسين والتزيين ، قال في القاموس : نمق الكتاب كتبه ونمقه تنميقا حسنه وزينه بالكتابة ، ويقال للشيء المروح : فيه نمقة - محركة - . إذ المقصود إنما هو ذكر أمهات مسائل العقائد السلفية ونظم فرائد الأصول الأثرية ، وقد ذكرنا منها ما لعله يكفي المبتدي ويشفي المنتهي ويكمد المعتدي ، وبالله التوفيق ، ثم حمدنا الله تعالى عودا على بدء فقلنا :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث