الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب

فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار .

تفريع على مجموع جملتي ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله اللتين هما تعليل للقصر في قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب .

وتركيب فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا تمثيل ، مثل شأن الله حين يسر أسباب استسلامهم بعد أن صمموا على الدفاع وكانوا أهل عدة وعدة ولم يطل حصارهم بحال من أخذ حذره من عدوه وأحكم حراسته من جهاته فأتاه عدوه من جهة لم يكن قد أقام حراسة فيها . وهذا يشبه التمثيل الذي في قوله تعالى والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده .

والاحتساب : مبالغة في الحسبان ، أي الظن أي من مكان لم يظنوه لأنهم قصروا استعدادهم على التحصن والمنعة ولم يعلموا أن قوة الله فوق قوتهم .

[ ص: 71 ] والقذف : الرمي باليد بقوة . واستعير للحصول على العاجل ، أي حصل الرعب في قلوبهم دفعة دون سابق تأمل ولا حصول سبب للرعب ولذلك لم يؤت بفعل القذف في آية آل عمران سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب .

والمعنى : وجعل الله الرعب في قلوبهم فأسرعوا بالاستسلام . وقذف الرعب في قلوبهم هو من أحوال إتيان الله إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر للتعجيب من صنع الله ، وعطفه على أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا عطف خاص على عام للاهتمام .

والرعب : شدة الخوف والفزع . وهذا معنى قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : نصرت بالرعب ، أي برعب أعداء الدين .

وجملة يخربون بيوتهم حال من الضمير المضاف إليه ( قلوبهم ) لأن المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه .

والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن داعي التخريب قهري .

والإخراب والتخريب : إسقاط البناء ونقضه .

والخراب : تهدم البناء .

وقرأ الجمهور يخربون بسكون الخاء وتخفيف الراء المكسورة مضارع : أخرب . وقرأه أبو عمرو وحده بفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة مضارع : خرب . وهما بمعنى واحد . قال سيبويه : إن أفعلت وفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته ، وأفرحته وفرحته . يريد في أصل المعنى . وقد تقدم ما ذكر من الفرق بين : أنزل ونزل في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير .

وأشارت الآية إلى ما كان من تخريب بني النضير بيوتهم ليأخذوا منها ما يصلح من أخشاب وأبواب مما يحملونه معهم ليبنوا به منازلهم في مهاجرهم ، وما كان من تخريب المؤمنين بقية تلك البيوت كلما حلوا بقعة تركها بنو النضير .

وقوله بأيديهم هو تخريبهم البيوت بأيديهم ، حقيقة في الفعل وفي ما تعلق [ ص: 72 ] به ، وأما تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين فهو مجاز عقلي في إسناد التخريب الذي خربه المؤمنون إلى بني النضير باعتبار أنهم سببوا تخريب المؤمنين لما تركه بنو النضير .

فعطف أيدي المؤمنين على ( بأيديهم ) بحيث يصير متعلقا بفعل ( يخربون ) استعمال دقيق لأن تخريب المؤمنين ديار بني النضير لما وجدوها خاوية تخريب حقيقي يتعلق المجرور به حقيقة .

فالمعنى : ويسببون خراب بيوتهم بأيدي المؤمنين فوقع إسناد فعل ( يخربون ) على الحقيقة ووقع تعلق وتعليق " وأيدي المؤمنين " به على اعتبار المجاز العقلي ، فالمجاز في التعليق الثاني .

وأما معنى التخريب فهو حقيقي بالنسبة لكلا لمتعلقين فإن المعنى الحقيقي فيهما هو العبرة التي نبه عليها قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار ، أي اعتبروا بأن كان تخريب بيوتهم بفعلهم وكانت آلات التخريب من آلاتهم وآلات عدوهم .

والاعتبار : النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها . وهو افتعال من العبرة ، وهي الموعظة . وقول القاموس : هي العجب قصور .

وتقدم في قوله تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب في سورة يوسف .

والخطاب في قوله يا أولي الأبصار موجه إلى غير معين . ونودي أولوا الأبصار بهذه الصلة ليشير إلى أن العبرة بحال بني النضير واضحة مكشوفة لكل ذي بصر ممن شاهد ذلك ، ولكل ذي بصر يرى مواقع ديارهم بعدهم ، فتكون له عبرة قدرة الله تعالى على إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال . وفي انتصار الحق على الباطل وانتصار أهل اليقين على المذبذبين .

وقد احتج بهذه الآية بعض علماء الأصول لإثبات حجية القياس بناء على أنه من الاعتبار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث