الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 69 ] ( باب السلم ) [ ص: 70 ]

السلم عقد مشروع بالكتاب وهو آية المداينة ، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما : أشهد أن الله تعالى أحل السلف المضمون وأنزل فيها أطول آية في كتابه ، وتلا قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } الآية . [ ص: 71 ] وبالسنة وهو ما روي { أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم } والقياس وإن كان يأباه ولكنا تركناه بما رويناه . ووجه القياس أنه بيع المعدوم إذ المبيع هو المسلم فيه .

التالي السابق


( باب السلم )

تقدم أن البيع ينقسم إلى بيع مطلق ومقايضة وصرف وسلم ، لأنه إما بيع عين بثمن وهو المطلق ، أو قلبه وهو السلم ، أو ثمن بثمن فالصرف ، أو عين بعين فالمقايضة .

ولم يشترط في المطلق والمقايضة قبض فقدما وشرط في الآخرين ، ففي الصرف قبضهما وفي السلم قبض أحدهما ، فقدم انتقالا بتدريج . وخص باسم السلم [ ص: 70 ] لتحقق إيجاب التسليم شرعا فيما صدق عليه : أعني تسليم رأس المال ، وكان على هذا تسمية الصرف بالسلم أليق ، لكن لما كان وجود السلم في زمنه صلى الله عليه وسلم هو الظاهر العام في الناس سبق الاسم له ، ويعرف مما ذكر أن معناه الشرعي بيع آجل بعاجل .

وما قيل أخذ عاجل بآجل غير صحيح لصدقه على البيع بثمن مؤجل ، وعرف أيضا أنه يصدق على عقده بلفظ البيع بأن قال المسلم إليه بعتك كذا حنطة بكذا إلى كذا ، ويذكر باقي الشروط أو يقول المسلم اشتريت منك إلى آخره ، وفيه خلاف زفر وعيسى بن أبان ، وصحة المذهب عنه عسر الوجه لأن العبرة للمعنى ، ومعنى أسلمت إليك إلى كذا وبعتك إلى كذا في البيع مع باقي الشروط واحد وإن كان على خلاف القياس ، فذاك باعتبار أمر آخر لا بأمر يرجع إلى مجرد اللفظ . وعرف أن ركنه ركن البيع .

وسبب شرعيته شدة الحاجة إليه ، وسيذكر المصنف شرائطه .

وأما حكمه فثبوت الملك للمسلم إليه في الثمن ، ولرب السلم في المسلم فيه الدين الكائن في الذمة ، أما في العين فلا يثبت إلا بقبضه على انعقاد مبادلة أخرى على ما سيعرف والمؤجل المطالبة بما في الذمة ، ومعناه لغة : السلف ، فاعتبر في الشرع كأن الثمن يسلفه المشتري للبائع ليقضيه إياه ، وجعل إعطاء العوض للمسلم إليه فيه قضاء كأنه هو ، إذ لا يصح الاستبدال فيه قبل القبض وجعل الهمزة في أسلمت إليك للسلب بمعنى أزلت سلامة رأس المال حيث سلمته إلى مفلس ونحو ذلك بعيد ، ولا وجه له إلا باعتبار المدفوع هالكا ، وصحة هذا الاعتبار تتوقف على غلبة توائه عليه ، وليس الواقع أن السلم كذلك بل الغالب الاستيفاء ( قوله وهو ) يعني السلم ( عقد مشروع بالكتاب وهو آية المداينة ) أخرج الحاكم في المستدرك بسنده .

وصححه على شرطهما عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في الكتاب وأذن فيه ، قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم [ ص: 71 ] بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } الآية ، وعنه رواه الشافعي في مسنده والطبراني وابن أبي شيبة ، وعزاه بعض متأخري المصنفين إلى البخاري ، وهو غلط فإنه لم يخرج في صحيحه لأبي حسان الأعرج واسمه مسلم ، والمصنف قد ذكر لفظ الحديث : أحل السلف المضمون ، فقال بعض المشايخ : المراد بالمضمون المؤجل بدليل أنه في بعض رواياته : السلف المؤجل ، وعلى هذا فهي صفة مقررة لا مؤسسة ، ويكون ما روى المخرجون الذين ذكرناهم من قوله المضمون إلى أجل جمعا بين مقررين .

وقوله مسمى أي معين ( و ) كذا ( بالسنة ) إلا أن لفظ الحديث كما ذكره المصنف فيه غرابة وهو أنه صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم } وإن كان في شرح مسلم للقرطبي ما يدل على أنه عثر عليه بهذا اللفظ . قيل والذي يظهر أنه حديث مركب من حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان ، رواه أصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه صلى الله عليه وسلم { لا يحل سلف وبيع } ، إلى أن قال : { ولا تبع ما ليس عندك } قال الترمذي : حسن صحيح ، وتقدم .

والرخصة في السلم رواه الستة عن أبي المنهال عن ابن عباس قال { قدم النبي صلى الله عليه وسلم والناس يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث . فقال : من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم } وفي البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال : { إنا كنا لنسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الحنطة والشعير والتمر والزبيب } .

ولا يخفى أن جوازه على خلاف القياس ، إذ هو بيع المعدوم وجب المصير إليه بالنص والإجماع للحاجة من كل من البائع والمشتري ، فإن المشتري يحتاج إلى الاسترباح لنفقة عياله وهو بالسلم أسهل ، إذ لا بد من كون المبيع نازلا عن القيمة فيربحه المشتري ، والبائع قد يكون له حاجة في الحال إلى السلم وقدرة في المآل على المبيع بسهولة فتندفع به حاجته الحالية إلى قدرته المالية فلهذه المصالح شرع . ومنع بعض من نقد الهداية .

قولهم السلم على خلاف القياس لأنه بيع المعدوم ، قال : بل هو على وفقه فإنه كالابتياع بثمن مؤجل . وأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وبين الآخر ، بل هو على وفق القياس ومصلحة الناس .

قال : وهذا المعنى هو الذي فهمه ترجمان القرآن ابن عباس ، وتلا الآية [ ص: 72 ] ثم قال بعد كلام اندفع فيه : فالحاصل أن قياس السلم على الابتياع بثمن مؤجل أصح من قياسه على بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه عادة مع الحلول كسائر الديون المؤجلة ، وأطال كلاما وحاصله مبني على اعتقاد أن القوم قاسوا السلم على بيع المعدوم فيكون على خلاف القياس ، وأن قياسه على الثمن المؤجل أولى به ، وليس كلامهم هذا بل إنه هو نفسه بيع المعدوم فهو على خلاف القياس الأصلي فيه ، وكونه معدوما لا يقدر على تحصيله عادة ليس هو معتبرا في مفهوم السلم عندهم بل هو زيادة من عنده .

وقوله أي فرق إلى آخره يفيد أنه على وفق القياس ، وكلامه يفيد الاعتراف بكون بيع المعدوم على خلاف القياس .

ثم الفرق ظاهر وهو أن المبيع هو المقصود من البيع والمحل لوروده فانعدامه يوجب انعدام البيع ، بخلاف الثمن فإنه وصف يثبت في الذمة مع صحة البيع ، فقد تحقق البيع شرعا مع عدم وجود الثمن لأن الموجود في الذمة وصف يطابقه الثمن لا عين الثمن ، وليس في كلام ابن عباس ما يفهم أنه رآه على خلاف القياس ، وكونه فيه مصلحة الناس لا ينفي أنه على خلاف القياس بل لأجل هذه المصلحة شرع وإن كان على خلاف القياس .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث