الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر

لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر .

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ، لأن شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصن لقتالهم إياهم ، أي لا يقدرون على قتالكم إلا في هاته الأحوال والضمير المرفوع في يقاتلونكم عائد إلى الذين كفروا من أهل الكتاب .

وقوله جميعا يجوز أن يكون بمعنى كلهم كقوله تعالى : إلى الله مرجعكم جميعا فيكون للشمول ، أي كلهم لا يقاتلونكم اليهود والمنافقون إلا في قرى محصنة إلخ .

ويجوز أن يكون بمعنى مجتمعين ، أي لا يقاتلونكم جيوشا كشأن جيوش المتحالفين فإن ذلك قتال من لا يقبعون في قراهم فيكون النفي منصبا إلى هذا [ ص: 105 ] القيد ، أي لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش ، أي لا يهاجمونكم ولكن يقاتلون قتال دفاع في قراهم .

واستثناء " إلا في قرى " على الوجه الأول في " جميعا " استثناء حقيقي من عموم الأحوال ، أي لا يقاتلونكم كلهم في حال من الأحوال إلا في حال الكون في قرى محصنة إلخ . وهو على الوجه الثاني في " جميعا " استثناء منقطع لأن القتال في القرى ووراء الجدر ليس من أحوال قتال الجيوش المتساندين .

وعلى كلا الاحتمالين فالكرم يفيد أنهم لا يقاتلون إلا متفرقين كل فريق في قريتهم ، وإلا خائفين متترسين .

والمعنى : لا يهاجمونكم ، وإن هاجمتموهم لا يبرزون إليكم ولكنهم يدافعونكم في قرى محصنة أو يقاتلونكم من وراء جدر ، أي في الحصون والمعاقل ومن وراء الأسوار ، وهذا كناية عن مصيرهم إلى الهزيمة إذ ما حورب قوم في عقر دارهم إلا ذلوا كما قال علي رضي الله عنه : وهذا إطلاع لهم على تطمين للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ودخائل الأعداء .

و الجدر بضمتين في قراءة الجمهور جمع جدار . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ( جدار ) على الإفراد ، والمراد الجنس تساوي الجمع .

و ( محصنة ) : ممنوعة ممن يريد أخذها بأسوار أو خنادق .

وقرى : بالقصر جمع قرية ، ووزنه وقصره على غير قياس لأن ما كان على زنة فعلة معتل اللام مثل قرية يجمع على فعال بكسر الفاء ممدودا مثل : ركوة وركاء ، وشكوة وشكاء . ولم يسمع القصر إلا في كوة بفتح الكاف لغة وكوى ، وقرية وقرى ولذلك قال الفراء : قرى شاذ ، يريد خارج عن القياس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث