الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر المؤلف أن اقتفاء الأئمة والسلف الصالح ليس تقليدا لهم في الاعتقاد


( ( ولست في قولي بذا مقلدا إلا النبي المصطفى مبدي الهدى ) )


( ( صلى عليه الله ما قطر نزل     وما تعانى ذكره من الأزل ) )


( ( وما انجلى بهديه الديجور     وراقت الأوقات والدهور ) )

( ( ولست في قولي بذا ) ) أي بما أشرت إليه من اقتفاء الأئمة والسلف الصالح ( ( مقلدا ) ) لهم في اعتقادي ، وإن الذي نحوه بمجرده عمدتي واعتمادي ، من غير نظر في الدليل وبحث عن الكثير والقليل ، بل نظرت كما نظروا ، وسبرت كما سبروا ، وخضت في علوم النظر والكلام ، [ ص: 454 ] والحكمة والأحكام ، فرأيتها لا تشفي من سقام ، ولا تروي من أوام ، ولا تهدي من ضلال ، ولا تجدي من نوال ، هذا واللب عاكف على الآثار ، عارف بثمرات الأخبار ، كارف من نشرها ما يزيل نتن الآراء ، غارف من بحرها ما يطفئ حرارات الأهواء ، مقتبسا من أنوارها ما يقشع ظلمات الأفكار الفلسفية ، ملتمسا من أسرارها ما يقمع شبهات الأنظار الكلامية ، مقيدا منها بما يزيل الخيالات المعتزلية ، معتمدا منها على ما يغسل الزبالات الرافضية ، فليس لي في كل سيري قلدا ، ولا في اعتقادي قدوة معتمدا ( ( إلا النبي المصطفى ) ) من سائر العالم لمختار من سائر بني آدم ، ( ( مبدي ) ) أي مظهر ومبين وكاشف ( ( الهدى ) ) بالدلائل الواضحة ، ومرشد العالم إلى سلوك المسالك الناجحة ، وتقدم الكلام على الهداية ، بما فيه الكفاية ، فقد بذلت وسعي في اقتفاء آثاره ، وانتقاء أخباره ، وسبر أحواله ، ونشر أقواله ، وتهذيب سيرته الشريفة ، وثبوت شريعته المحكمة المنيفة ، فكرعت منها عللا بعد نهل ، وشربت عذبا زلالا صافيا بريا من زبالات الآراء والزلل ، فذاك معتمدي مدى العمر ، لا زيد ولا بكر ، ولا خالد ولا عمرو .

( ( صلى عليه الله ) ) تقدم الكلام عن معنى الصلاة والسلام ، ( ( ما قطر نزل ) ) أي مدة دوام نزول الأمطار وتداول الأعصار ، والقطر هو الماء والنزول وكفه من العلو إذا هطل ، ( ( و ) ) - صلى الله عليه وسلم - ( ( ما تعانى ) ) المعتنون ( ( ذكره من الأزل ) ) في الأعصار الخالية والأطوار البالية والقرون الفانية والأمم الماضية ، فإنه لم يخل زمان من ذكره ولا أوان من التنويه بشرعه ومبعثه ونهيه وأمره إلى أن جاء إبان رسالته زمان بعثته وظهور مقالته فظهرت شمس نبوته على سائر كواكب النبوات ، فانخنست وبهرت رسالته المقالات فانطمست ، ( ( و ) ) - صلى الله عليه وسلم - ( ( ما انجلى ) ) أي تفرق وزال وانكشف ( ( بهديه ) ) الناصع ونور شرعه المشرق اللامع ( ( الديجور ) ) أي الظلام ، قال في القاموس : الديجور التراب والظلام والأغبر الضارب إلى السواد . أي مدة دوام انجلاء ظلام الشرك وسواد الإفك وغبار البدع والابتكار بمنار هديه ونور شرعه الذي أزال كل ظلال وأطفأ كل نار ، ( ( و ) ) ما بهديه - صلى الله عليه وسلم - ( ( راقت ) ) أي صفت ، قال في القاموس : [ ص: 455 ] الترويق التصفية والرواق المصفاة والريق تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح والرائق الخالص ، و ( ( الأوقات ) ) جمع وقت وهو المقدار من الدهر وأكثر ما يستعمل في الماضي ، والميقات يطلق على الزمان والمكان المضروب للفعل ، وفي نسخة ما راقت الأيام بدل الأوقات جمع يوم ، والمراد ما خلصت وصفت الأحوال جمع حال الواقعة في الأوقات والحاصلة في الأيام والساعات ، والحال كنه الإنسان وما هو عليه كالحالة ويراد بالحال الهيئة ومنه تغير من حال إلى حال ، ( ( و ) ) ما راقت ( ( الدهور ) ) جمع دهر وهو الزمان الطويل والأمد الممدود وقد يعد في الأسماء الحسنى ، والمراد على حذف مضاف والذي عده في الأسماء الحسنى نظر إلى ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " . وإلى ظاهر الحديث القدسي - قال الله تعالى : " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر " . قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ، وقال الخطابي معناه : أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر فمن سب الدهر من أجل هذه الأمور عاد بسبه إلى ربه الذي هو فاعلها ، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور ، وكانت عادة الجاهلية أنهم إذا أصابهم مكروه أضافوه للدهر ، فقالوا : بؤسا للدهر وتبا للدهر .

قال المحققون : من نسب سيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر ، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر ولكن يكره له ذلك . وقد شن الغارة الحافظ ابن الجوزي على من نسب شيئا من ذلك إلى الدهر ولو لم يعتقد ظاهره في عدة مواضع من كتبه منها صيد الخاطر . وغلط القاضي عياض من زعم أن الدهر من أسماء الله تعالى ، فإن الدهر مدة زمان الدنيا ، وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا أو فعله لما قبل الموت . وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم ، لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم ولا شيء عندهم ولا صانع سواه . وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث : " أنا الدهر أقلب ليله ونهاره " . فكيف يقلب الشيء نفسه ؟ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا . وقال محمد بن أبي جمرة : لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب [ ص: 456 ] صانعها ، فمن سب نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى ، وذكر نحو ما قدمنا من أن ليس للدهر ولا لليل والنهار فعل ولا تأثير ، فمن سب شيئا من ذلك يؤول من حيث المعنى أنه سب خالق ذلك . انتهى ملخصا .


( ( وآله وصحبه أهل الوفا     معادن التقوى وينبوع الصفا ) )


( ( وتابع وتابع للتابع     خير الورى حقا بنص الشارع ) )



( ( و ) ) صلى الله على ( ( آله ) ) أي أتباعه على دينه ، وقيل أقاربه الأدنون من بني هاشم وبني المطلب ، والأول اختيار الإمام أحمد في مقام الدعاء ، والثاني اختيار الإمام الشافعي وقيل آله أهله ، والصواب جواز إضافته إلى الضمير خلافا لمن أنكر ذلك نعم هو قليل ، ( ( وصحبه ) ) وهم كل من اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا ومات على الإيمان ، وتقدم الكلام عليهم في أول الكتاب ، وفي قوله ( ( أهل الوفا ) ) إشارة إلى أنهم فعلوا ما أمروا ووفوا بما عاهدوا الله ورسوله عليه من بذل نفوسهم النفيسة ، وكل نفيس في نصرة الدين القويم والتمسك بهديه المستقيم .

وقوله ( ( معادن التقوى ) ) يصح جره على التبعية لما قبله ونصبه بفعل محذوف تقديره أمدح ونحوه ورفعه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم ، والمعادن جمع معدن بكسر الدال ، قال الأزهري : سمي المعدن معدنا لعدون ما أنبته الله فيه أي لإقامته فيه ، يقال عدن بالمكان يعدن عدونا والمعدن المكان الذي عدن فيه الجوهر من جواهر الأرض أي ذلك كان .

وأحرى خلق الله تعالى وأجدر بإقامة التقوى فيهم وعدونها لديهم بعد أنبياء الله تعالى ورسله أصحاب نبيه المصطفى - رضوان الله تعالى عليهم - والتقوى التحرز بطاعة الله تعالى عن مخالفته وامتثال أمره واجتناب نهيه ، وحقيقتها أن يجعل المرء بينه وبين معاصي الله وقاية تمنعه من انتهاكها والوقوع فيها ، فلا بد أن يجعل بينه وبينها حاجزا ، وفي سنن الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس " . وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - : التقوى تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة ، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حجابا بينه وبين الحرام . وتقدم الكلام عليها [ ص: 457 ] في صدر الكتاب .

( ( وينبوع الصفا ) ) معطوف على معادن والينبوع - بفتح التحتية وسكون النون وضم الموحدة وبعدها واو ساكنة فعين مهملة - عين الماء أو الجدول الكثير الماء كما في القاموس ، والصفاء ضد الكدر كالصفو والصفوة ، وصفوة الشيء مثلثة ما صفي منه ومنه صفا الجو إذا لم يكن فيه لطخة غيم ، فالصحابة الكرام ينبوع كل خالص من الكدر نقي من غبار البدع وقذى الفكر ، فمن ورد موردهم كرع صافيا زلالا ، ومن زل عن نهجهم شرب أجاجا قذرا وبالا ، ( ( و ) ) على ( ( تابع ) ) لهم بإحسان ( ( وتابع للتابع ) ) على نهج الاستقامة والإتقان ، وهؤلاء القرون الثلاثة ( ( خير الورى ) ) كفتى : الخلق أي من هذه الأمة وأفضلهم أحق بذلك ( ( حقا بنص الشارع ) ) للشرائع يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " . قال عمران بن حصين - رضي الله عنهما - فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة . رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، وكذا في حديث أبي هريرة عند مسلم ، ولفظ حديث أبي هريرة : " خير أمتي القرن الذي بعثت فيه " .

ولهذا المعنى قال :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث