الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الله الخالق البارئ المصور

هو الله الخالق البارئ المصور القول في ضمير ( هو ) المفتتح به وفي تكرير الجملة كالقول في التي سبقتها فإن كان ضمير الغيبة ضمير شأن فالجملة بعده خبر عنه .

وجملة ( الله الخالق ) تفيد قصرا بطريق تعريف جزأي الجملة هو الخالق لا شركاؤهم . وهذا إبطال لإلهية ما لا يخلق . قال تعالى والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، وقال أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ، وإن كان عائدا على اسم الجلالة المتقدم فاسم الجلالة بعده خبر عنه و ( الخالق ) صفة .

[ ص: 124 ] والخالق : اسم فاعل من الخلق ، وأصل الخلق في اللغة إيجاد شيء على صورة مخصوصة . وقد تقدم عند قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير الآية في سورة آل عمران . ويطلق الخلق على معنى أخص من إيجاد الصور وهو إيجاد ما لم يكن موجودا . كقوله تعالى ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام . وهذا هو المعنى الغالب من إطلاق اسم الله تعالى ( الخالق ) .

قال في الكشاف ( المقدر لما يوجده ) . ونقل عنه في بيان مراده بذلك أنه قال ( لما كانت إحداثات الله مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه بالخلق اهـ . يشير إلى أن الخالق في صفة الله بمعنى المحدث الأشياء عن عدم ، وبهذا يكون الخلق أعم من التصوير . ويكون ذكر البارئ والمصور بعد الخالق تنبيها على أحوال خاصة في الخلق . قال تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم على أحد التأويلين .

وقال الراغب : الخلق التقدير المستقيم واستعمل في إيداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء اهـ .

وقال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي على سنن الترمذي : الخالق : المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود المقدر لها على صفاتها فخلط بين المعنيين ثم قال : فالخالق عام ، والبارئ أخص منه ، والمصور أخص من الأخص وهذا قريب من كلام صاحب الكشاف . وقال الغزالي في المقصد الأسنى : الخالق البارئ المصور قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولا وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا . والله خالق من حيث إنه مقدر وبارئ من حيث إنه مخترع موجود ، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب اهـ . فجعل المعاني متلازمة وجعل الفرق بينها بالاعتبار ، ولا أحسبه ينطبق على مواقع استعمال هذه الأسماء .

و البارئ اسم فاعل من برأ مهموزا . قال في الكشاف المميز لما يوجده بعضه من بعض بالأشكال المختلفة اهـ . وهو مغاير لمعنى الخالق بالخصوص . [ ص: 125 ] وفي الحديث من شر ما خلق وذرأ وبرأ . ومن كلام علي رضي الله عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، فيكون اسم البريئة غير خاص بالناس في قوله تعالى ( أولئك هم شر البريئة ) ( أولئك هم خير البريئة ) . وقالالراغب : البريئة : الخلق .

وقال ابن العربي في العارضة : البارئ : خالق الناس من البرى مقصورا وهو التراب خاصا بخلق جنس الإنسان ، وعليه يكون اسم البريئة خاصا بالبشر في قوله تعالى ( أولئك هم شر البريئة ) ( أولئك هم خير البريئة ) .

وفسره ابن عطية بمعنى الخالق . وكذلك صاحب القاموس . وفسره الغزالي بأنه الموجود المخترع ، وقد علمت أنه غير منطبق فأحسن تفسير له ما في الكشاف .

و المصور : مكون الصور لجميع المخلوقات ذوات الصور المرئية .

وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإبداع الإلهي للإنسان فابتدئ بالخلق الذي هو الإيجاد الأصلي ثم بالبرء الذي هو تكوين جسم الإنسان ثم بالتصور الذي هو إعطاء الصورة الحسنة ، كما أشار إليه قوله تعالى الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ، الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء .

ووجه ذكرها عقب الصفات المتقدمة ، أي هذه الصفات الثلاث أريد منها الإشارة إلى تصرفه في البشر بالإيجاد على كيفيته البديعة ليثير داعية شكرهم على ذلك . ولذلك عقبت بجملة يسبح له ما في السماوات والأرض .

واعلم أن وجه إرجاع هذه الصفات الحسنى إلى ما يناسبها مما اشتملت عليه السورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام ولكنها ذكرت في الآية بحسب تناسب مواقع بعضها عقب بعض من تنظير أو احتراس أو تتميم كما علمته آنفا .

القسم الأول يتعلق بما يناسب أحوال المشركين وأحلافهم اليهود المتألبين على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين بالحرب والكيد والأذى ، وأنصارهم من المنافقين المخادعين للمسلمين .

[ ص: 126 ] وإلى هذا القسم تنضوي صفة ( لا إله إلا هو ) وهذه الصفة هي الأصل في التهيؤ للتدبر والنظر في بقية الصفات ، فإن الإشراك أصل الضلالات ، والمشركون هم الذين يغرون اليهود ، والمنافقون بين يهود ومشركين تستروا بإظهار الإسلام ، فالشرك هو الذي صد الناس عن الوصول إلى مسالك الهدى ، قال تعالى وما زادوهم غير تتبيب .

وصفة ( عالم الغيب ) فإن من أصول الشرك إنكار الغيب الذي من آثاره إنكار البعث والجزاء ، وعلى الاسترسال في الغي وأعمال السيئات وإنكار الوحي والرسالة . وهذا ناظر إلى قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الآية .

وكذلك ذكر صفات الملك ، والعزيز ، والجبار ، والمتكبر ، لأنها تناسب ما أنزله ببني النضير من الرعب والخزي والبطشة .

القسم الثاني متعلق بما اجتناه المؤمنون من ثمرة النصر في قصة بني النضير ، وتلك صفات : السلام المؤمن لقوله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ، أي لم يتجشم المسلمون للغنى مشقة ولا أذى ولا قتالا .

وكذلك صفتا ( الرحمان الرحيم ) لمناسبتهما لإعطاء حظ في الفيء للضعفاء .

القسم الثالث متعلق بما يشترك فيه الفريقان المذكوران في هذه السورة فيأخذ كل فريق حظه منها ، وهي صفات : القدوس ، المهيمن ، الخالق ، الباريء ، المصور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث