الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقسام الحقيقة الشرعية

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 14 ] أقسام الحقيقة الشرعية ] وأقسامها أربعة : الأول : أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة ، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى . الثاني : أن يكونا غير معلومين لهم . الثالث : أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم . الرابع : عكسه ، والمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية . ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق ، وتخص بالدينية ، وما نقل إلى فروعه كالصلاة والزكاة وتختص بالفرعية . قال الصفي الهندي : وهذه الأقسام الأربعة الأشبه وقوعها . أما الأول : فكلفظ الرحمن لله ، فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم ، والثاني : كأوائل السور ، والثالث : كلفظ الصلاة والصوم ، والرابع كلفظ الأب ولهذا لما نزل قوله تعالى { وفاكهة وأبا } قال عمر : ما الأب ؟ ا هـ .

والنزاع في الكل على السواء . واعلم أن هذا القسم ذكره الإمام في " المحصول " فتابعوه ، وإنما ذكره صاحب " المعتمد " على أصل المعتزلة ، وكذلك تفسير الشرعي بما سبق ، وهو ماش على مذهبهم الآتي وأما على أصلنا فلا يستقيم ذلك [ ص: 15 ] بل الشرط كما قاله الأصفهاني : كون اللفظ والمعنى من حيث هو مجاز لغوي يعلمها أهل اللغة ، لاستحالة نقل الشرع لفظة لغوية إلى معنى مجاز لغة ، ولا يعرفهما أهل اللغة . الثاني : في إمكانها عقلا ، ونقل الإمام في " المحصول " والآمدي في " الإحكام " الإجماع على إمكان الحقيقة الشرعية ، وأن الخلاف إنما هو في الوقوع وليس كذلك ففي " شرح العمد " لأبي الحسين عن قوم إنكار إمكانها ، فقال : وقد أبى قوم جواز ذلك ، واختلف تعليلهم ، فعلة بعضهم دالة على أنه منع من إمكان ذلك ، وعلة الآخرين دالة على أنهم منعوا من حسنه . ا هـ .

وممن حكى الخلاف أيضا ابن برهان في " الأوسط " فقال : وأما إمكان نقل الأسامي ، أو نقلها من اللغة إلى الشرع فقد جوزه كافة العلماء ، ومنعه طائفة يسيرة ، وبناء المسألة على حرف واحد ، وهو أن نقلها من اللغة إلى الشرع لا يؤدي إلى قلب الحقائق ، وعنده يؤدي . الثالث : أنه إذا ثبت إمكانه فهو حسن وليس بقبيح ، وإنما هو بمثابة النسخ في الأحكام الشرعية ، فإنه يجوز نسخها وتبديلها باعتبار المصالح ، ويكون ذلك حسنا ، فلأن يحسن ذلك في الأسامي أولى . وقيل : وإن جاز عقلا لكنه لا ينتقل ; لأنه قبيح لإفضائه إلى إسقاط الأحكام الشرعية ، وهو لا يجوز إلا بالنسخ ، ذكره ابن برهان .

الرابع : إنه إذا ثبت هذا فهل وقع أو لا ؟ فيه مذاهب : أحدها : أنها ليست بواقعة مطلقا ، سواء الدينية وهي المتعلقة بأصول [ ص: 16 ] الدين كالإيمان والكفر ، والفرعية وهي المتعلقة بالفروع . قال المازري في " شرح البرهان " : وهو رأي المحققين من أئمتنا الفقهاء والأصوليين ، وهو قول القاضي أبي بكر ، والإمام أبي نصر بن القشيري ، ونقله عن أصحابنا ، فقال : وقال أصحابنا : لم ينقل الشرع شيئا من الأسامي اللغوية ، بل النبي صلى الله عليه وسلم كلم الخلق بلسان العرب ، وإلى هذا ميل القاضي . ا هـ .

ونقله الأستاذ أبو منصور عن القاضي أبي حامد المروذي والشيخ أبي الحسن الأشعري فقال : أجمع أصحاب الشافعي على أنه قد نقل بالشرع أسماء كثيرة عن معانيها في اللغة إلى معان سواها إلا أبا حامد المروذي ، فإنه زعم أن الأسامي كلها باقية على مقتضاها في اللغة قبل الشرع . وبه قال أبو الحسن الأشعري ، ومثال ذلك : الإيمان في اللغة بمعنى التصديق ، وقد صار بالشرع عند أصحاب الشافعي اسما لجميع الطاعات ، وعند الأشعري أنه الآن أيضا بمعنى التصديق ، وكذلك الصلاة والحج والعمرة أسماء لأفعال مخصوصة زائدة على ما كان مفعولا منها في اللغة قبل الشرع عندنا ، وهي عند الأشعري ثابتة على ما كان عليه قبل الشرع إلا أنها لا يحتسب بها إلا إذا أتى على الشروط التي علقتها الشريعة بها . ا هـ . وكذلك حكاه عن الأشعري الأستاذ أبو بكر بن فورك في جزء جمعه في بيان الإسلام والإيمان . فقال : واختلفوا في مسألة الإيمان ، هل نقلت الشريعة أسماء اللغة عن موضوعاتها إلى غيرها ؟ فمنهم من قال : إنها نقلت ، وإن من ذلك الإيمان ، فإنه لغة التصديق ، وإنما قيل في الشريعة للطاعات : كلها إيمان ، وذلك شرعي لا لغوي ، وكذلك الصلاة والزكاة والحج والوضوء ، فجمعه منقول عن اللغة .

[ ص: 17 ] وقال أبو الحسن الأشعري : إن الأسماء كلها لغوية ، وإنه لم ينقل منها شيء عن موضوع اللغة ، وأن لا إيمان إلا بتصديق ، وأن لا تصديق إلا بإيمان ، وقال : إن الصلاة لغة : الدعاء ، والحج : القصد ، والزكاة : النماء ، والوضوء : النظافة ، ولكن الشرع أتى بفعلها عن وجه دون وجه . وفرق أبو الحسن بين الإيمان والإسلام ، فقال : كل إيمان إسلام ، وليس كل إسلام إيمانا ، وقال : إن الإسلام هو الاستسلام والانقياد والمتابعة لله في طاعاته ، والإيمان به ، وهو الاستسلام له بالتصديق بالقلب ، وقال : إن المنافق مسلم غير مؤمن ; لأنه مستسلم في الظاهر غير مصدق في الباطن ، ولذلك قال الله تعالى : { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ففرق بين الإسلام والإيمان . ا هـ .

[ النافون للحقيقة ] ثم اختلف النافون على مذهبين : أحدهما : أنها مقرة على حقائق اللغات ، لم تنقل ولم يزد في معناها ، ونقله إمام الحرمين وابن السمعاني عن القاضي أبي بكر . والثاني : أنها أقرت وزيد في معناها في الشرع ، ونقلاه عن طائفة من الفقهاء . قلت : وهو ما نصه ابن فورك في كتابه ، فقال : وليس ذلك بنقل الاسم عن اللغة إلى الشرع ، وإنما هو إبانة موضع ما أريد بإيقاعه فيه ، فالصلاة في اللغة : من معانيها الدعاء ، ولم يخرج بالشرع عن معناه ، بل أتى بوضعه الذي جعل فيه ، فقيل : ندعو على صفة كذا ، ولا يتغير معنى الاسم بذلك . ا هـ .

[ ص: 18 ] ويخرج من أدلتهم مذهب ثالث : وهو التفضيل بين أن يتعلق بالاسم فرض فلا يجوز نقله عن معناه ; لأن النقل يؤدي إلى تغيير الأحكام ، وبين أن لا ، فلا يمتنع ، وقد سبق نقله صريحا في الحقيقة العرفية ، ولا شك أن قائله يطرده هنا . المذهب الثاني : أنها واقعة ، وهو قول الجمهور من الفقهاء والمعتزلة كما قاله أبو الحسين في " المعتمد " ، وحكاه ابن برهان وابن السمعاني عن أكثر المتكلمين والفقهاء ، وصححه ،

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث