الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ( 3 ) )

[ ص: 349 ] يقول - تعالى ذكره - : ويستعجلك يا محمد الذين جحدوا قدرة الله على إعادة خلقه بعد فنائهم بهيئتهم التي كانوا بها من قبل فنائهم من قومك بقيام الساعة ; استهزاء بوعدك إياهم وتكذيبا لخبرك . قل لهم : بلى تأتيكم وربي - قسما به - لتأتينكم الساعة ، ثم عاد - جل جلاله - بعد ذكره الساعة على نفسه ، وتمجيدها فقال ( عالم الغيب ) .

واختلفت القراء في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراء المدينة ( عالم الغيب ) على مثال فاعل ، بالرفع على الاستئناف ; إذ دخل بين قوله ( وربي ) وبين قوله ( عالم الغيب ) كلام حائل بينه وبينه ، وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة والبصرة ، ( عالم ) على مثال فاعل غير أنهم خفضوا ( عالم ) ردا منهم له على قوله ( وربي ) إذ كان من صفته . وقرأ ذلك بقية عامة قراء الكوفة ( علام الغيب ) على مثال فعال ، وبالخفض ردا لإعرابه على إعراب قوله ( وربي ) إذ كان من نعته .

والصواب من القول في ذلك عندنا أن كل هذه القراءات الثلاث قراءات مشهورات في قراء الأمصار متقاربات المعاني ، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءات في ذلك إلي أن أقرأ بها ( علام الغيب ) على القراءة التي ذكرتها عن عامة قراء أهل الكوفة . فأما اختيار علام على عالم ؛ فلأنها أبلغ في المدح . وأما الخفض فيها ؛ فلأنها من نعت الرب ، وهو في موضع جر . وعنى بقوله ( علام الغيب ) علام ما يغيب عن أبصار الخلق فلا يراه أحد ، إما ما لم يكونه مما سيكونه أو ما قد كونه فلم يطلع عليه أحدا غيره . وإنما وصف - - جل ثناؤه - - في هذا الموضع نفسه بعلمه الغيب إعلاما منه خلقه أن الساعة لا يعلم وقت مجيئها أحد سواه ، وإن كانت جائية . فقال لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : قل للذين كفروا بربهم : بلى وربكم لتأتينكم الساعة ، ولكنه لا يعلم وقت مجيئها أحد سوى علام الغيوب ، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة .

[ ص: 350 ] يعني - - جل ثناؤه - - بقوله ( لا يعزب عنه ) لا يغيب عنه ولكنه ظاهر له .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك :

حدثنا علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله ( لا يعزب عنه ) يقول : لا يغيب عنه .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ( لا يعزب عنه ) قال : لا يغيب .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( لا يعزب عنه مثقال ذرة ) أي : لا يغيب عنه .

وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

وقوله ( مثقال ذرة ) يعني : زنة ذرة . في السماوات ولا في الأرض يقول - تعالى ذكره - : لا يغيب عنه شيء من زنة ذرة فما فوقها فما دونها ، أين كان في السماوات ولا في الأرض ( ولا أصغر من ذلك ) يقول : ولا يعزب عنه أصغر من مثقال ذرة ( ولا أكبر ) منه ( إلا في كتاب مبين ) يقول : هو مثبت في كتاب يبين للناظر فيه أن الله - تعالى ذكره - قد أثبته وأحصاه وعلمه فلم يعزب عن علمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث