الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه

قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده .

صدر هذه الآية يفيد تأكيدا لمضمون جملة إن يثقفوكم وجملة لن تنفعكم أرحامكم ، لأنها بما تضمنته من أن الموجه إليهم التوبيخ خالفوا الأسوة الحسنة تقوي إثبات الخطأ المستوجب للتوبيخ .

ذلك أنه بعد الفراغ من بيان خطأ من يوالي عدو الله بما يجر إلى أصحابه من مضار في الدنيا وفي الآخرة تحذيرا لهم من ذلك ، انتقل إلى تمثيل الحالة الصالحة بمثال من فعل أهل الإيمان الصادق والاستقامة القويمة وناهيك بها أسوة .

وافتتاح الكلام بكلمتي ( قد كانت ) لتأكيد الخبر ، فإن قد مع فعل الكون يراد بهما التعريض بالإنكار على المخاطب ولومه في الإعراض عن العمل بما [ ص: 143 ] تضمنه الخبر كقول عمر لابن عباس يوم طعنه غلام المغيرة : قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر هؤلاء الأعلاج بالمدينة ، ومنه قوله تعالى لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك توبيخا على ما كان منهم في الدنيا من إنكار للبعث ، وقوله تعالى وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون وقوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .

ويتعلق ( لكم ) بفعل ( كان ) ، أو هو ظرف مستقر وقع موقع الحال من ( أسوة حسنة ) .

وإبراهيم عليه السلام مثل في اليقين بالله والغضب له
، عرف ذلك العرب واليهود والنصارى من الأمم ، وشاع بين الأمم المجاورة من الكنعانيين والأراميين ، ولعله بلغ إلى الهند . وقد قيل : إن اسم ( برهما ) معبود البراهمة من الهنود محرف عن اسم إبراهيم وهو احتمال .

وعطف ( والذين معه ) ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم - صلى الله عليه وسلم - بحال إبراهيم عليه السلام والذين معه ، أي أن يكون المسلمون تابعين لرضى رسولهم - صلى الله عليه وسلم - كما كان الذين مع إبراهيم عليه السلام .

والمراد بـ ( الذين ) معه الذين آمنوا به واتبعوا هديه وهم زوجه سارة وابن أخيه لوط ولم يكن لإبراهيم أبناء ، فضمير إذ قالوا عائد إلى إبراهيم والذين معه فهم ثلاثة .

و ( إذ ) ظرف زمان بمعنى حين ، أي الأسوة فيه وفيهم في ذلك الزمن .

والمراد بالزمن : الأحوال الكائنة فيه ، وهو ما تبينه الجملة المضاف إليها الظرف وهي جملة قالوا لقومهم إنا برآء منكم إلخ .

والأسوة بكسر الهمزة وضمها : القدوة التي يقتدى بها في فعل ما . فوصفت في الآية بـ ( حسنة ) وصفا للمدح لأن كونها حسنة قد علم من سياق ما قبله وما بعده .

وقرأ الجمهور ( إسوة ) بكسر الهمزة ، وقرأه عاصم بضمها . وتقدمت في قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة في سورة الأحزاب .

[ ص: 144 ] وحرف ( في ) مستعار لقوة الملابسة إذ جعل تلبس إبراهيم والذين معه بكونهم أسوة حسنة ، بمنزلة تلبس الظرف بالمظروف في شدة التمكن من الوصف . ولذلك كان المعنى : قد كان لكم إبراهيم والذين معه أسوة في حين قولهم لقومهم . فليس قوله ( إسوة حسنة في إبراهيم ) من قبيل التجريد مثل قول أبي خالد العتابي .

وفي الرحمن للضعفاء كاف

.

لأن الأسوة هنا هي قول إبراهيم والذين معه لا أنفسهم .

و ( برءاء ) بهمزتين بوزن فعلاء جمع بريء مثل كريم وكرماء .

وبريء فعيل بمعنى فاعل من برئ إذا خلا منه سواء بعد ملابسته أو بدون ملابسة .

والمراد هنا التبرؤ من مخاطلتهم وملابستهم . . .

وعطف عليه ( وما تعبدون ) أي من الأصنام التي تعبدونها من دون الله والمراد برآء من عبادتها .

وجملة ( كفرنا بكم ) وما عطف عليها بيان لمعنى جملة إنا برآء . وضمير ( بكم ) عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون الله ، ويفسر الكفر بما يناسب المعطوف ، أي كفرنا بجميعكم فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم .

وعطف عليه وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا وبدا معناه : ظهر ونشأ ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرة لا مواربة فيها ، أي ليست عداوة في القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب . وهو أقصى ما [ ص: 145 ] يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليد لقلتهم وضعفهم بين قومهم .

والعداوة المعاملة بالسوء والاعتداء .

و ( البغضاء ) : نفرة النفس ، والكراهية وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا ، فذكرهما معا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم : حالة المعاملة بالعدوان ، وحالة النفرة والكراهية ، أي نسيء معاملتكم ونضمر لكم الكراهية حتى يؤمنوا بالله وحده دون إشراك .

والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله ، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس ، فالمؤتسى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة ، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم يصانعوهم ويغضوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث