الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب


( ( من لازم لكل أرباب العمل تقليد حبر منهم فاسمع تخل ) )

( ( من ) ) أي الذين هم فهو مبتدأ خبره فرض ، ( ( لازم ) ) لا انفكاك عنه ولا مندوحة منه ( ( لكل ) ) واحد مكلف من ( ( أرباب ) ) أصحاب ( ( العمل ) ) الصالح والكد الناجح ، ممن ليس فيه أهلية الاجتهاد المطلق ( ( تقليد حبر منهم ) ) أي من الأئمة الأربعة المعلومة مذاهبهم ، المضبوطة أقوالهم ، المحفوظة رواياتهم ، المدونة مذاهبهم في كل مصر وعصر ، الواصلة بالتواتر بشروطها وأركانها ، وموانعها وإتقانها بحيث لا يتأتى لأحد أن ينسب لمذهب منها ما هو ليس منه ، بل آحاد طلبة العلم يرد عليه ويعيبه ، ويقول : هذا ليس في هذا المذهب ، حتى إنهم يعرفون المشهور من أقوال المذهب والمهجور ، وإن كان الدليل المأثور مع القول المهجور .

والحبر - بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الموحدة - العالم المتقن ، وكان يقال لابن عباس - رضي الله عنهما - : الحبر والبحر لعلمه وسعته ، وتسمى سورة المائدة سورة الأحبار لقوله تعالى : ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ) ، والتقليد لغة وضع الشيء في العنق محيطا به وذلك الشيء يسمى قلادة وجمعها قلائد ، وعرفا أخذ مذهب الغير مع اعتقاد صحته واتباعه عليه بلا معرفة دليله ، فالرجوع إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى المفتي وإلى الإجماع ، ورجوع القاضي إلى العدول ليس بتقليد ولو سمي ذلك تقليدا لساغ ، وفي المقنع المشهور أن أخذه بقول المفتي تقليد وهو أظهر ، وقدمه النجم ابن حمدان في آداب المفتي ، وقال شيخ الإسلام في المسودة : والتقليد قبول القول بغير دليل ، فليس المصير إلى الإجماع تقليدا لأن الإجماع دليل ، ولذلك يقبل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقال تقليد بخلاف فتيا الفقيه ، وذكر في ضمن مسألة التقليد أن الرجوع إلى قول الصحابي ليس بتقليد لأنه حجة ، وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث : من قلد الخبر رجوت أن يسلم إن شاء الله تعالى ، فأطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر وإن كان حجة في نفسه .

( تنبيه ) إنما قال : لكل أرباب العمل ليحترز به عن التقليد [ ص: 464 ] في عقائد التوحيد من معرفة الله تعالى ونعوت ذاته وصفاته والرسالة ، وكذا في أركان الإسلام الخمس ونحوها مما تواتر واشتهر ، ذكره علماؤنا ونقل الإجماع في ذلك غير واحد ، منهم أبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل لتساوي الناس فيما لا يسوغ فيه اجتهاد ، وتقدم الكلام عليه في آخر الباب الأول مطولا ، والله أعلم .

قال الإمام موفق الدين في الروضة : وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعا ، قال : وذهب بعض القدرية إلى أن العامة يلزمهم النظر في الدليل ، واستدل لجواز التقليد بقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) وهو عام لتكرره بتكرر الشرط ، وعلة الأمر بالسؤال الجهل ، وأيضا الإجماع فإن العوام يقلدون العلماء من غير إبداء مستند من غير نكير ، وأيضا عدم القول بذلك يؤدي إلى خراب الدنيا بترك المعاش والصنائع ، ولا يلزم مثله في التوحيد والرسالة لتيسره وقلته ودليل العقل والنقل ، ولذا قال الإمام مالك : يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام ، كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة ، خلافا للمعتزلة البغدادية فإنهم وافقوا القدرية في إيجابهم على العوام الاجتهاد ، واحتجوا بقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ، ومن الاستطاعة ترك التقليد ، ولأن العامي متمكن من كثير من وجوه النظر فوجوب أن لا يجوز له تركها قياسا على المجتهد ، ولنا أن الخطأ متعين وبلوغ الصواب متعسر بل متعذر في حق العوام إذا انفردوا بمعرفة الأحكام ، لأنهم لا يعرفون الناسخ والمنسوخ ، ولا المخصص ولا المقيد ولا كثيرا مما يتوقف عليه دلالة الألفاظ ولا يضبطونه ، ولا يسوغ لهم مخالفته لفرط الغرر فيه فهم لا يستطيعون الوصول إليه .

وقد توسط أبو علي الجبائي أحد أئمة المعتزلة فقال : شعائر الإسلام الظاهرة لا تحتاج لنصب الاجتهاد ، فلا حاجة إلى التقليد فيها كالصلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك ، وأما الأمور الخفية من المجتهد فيه فيتعين التقليد فيها بالضرورة ولا نزاع في ذلك ، لأن تحصيل الحاصل محال ولا سيما التقليد إنما يفيد الظن ، وهو دون الضرورة بكثير وما لم ينته إلى حد الضرورة يتعين التقليد فيه لحاجة النظر إلى آلات مفقودة في العامي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث