الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور )

اختلف القراء في قراءة قوله : ( ربنا باعد بين أسفارنا ) فقرأته عامة قراء المدينة ، والكوفة ( ربنا باعد بين أسفارنا ) على وجه الدعاء والمسألة بالألف . وقرأ ذلك بعض أهل مكة ، والبصرة ( بعد ) بتشديد العين على الدعاء أيضا . وذكر عن المتقدمين أنه كان يقرؤه ( ربنا باعد بين أسفارنا ) على وجه الخبر من الله أن الله فعل بهم ذلك ، وحكي عن آخر أنه قرأه ( ربنا بعد ) على وجه الخبر أيضا غير أن الرب منادى .

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ( ربنا باعد ) و ( بعد ) لأنهما [ ص: 389 ] القراءتان المعروفتان في قراءة الأمصار ، وما عداهما فغير معروف فيهم ، على أن التأويل من أهل التأويل أيضا يحقق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة ، وذلك أيضا مما يزيد القراءة الأخرى بعدا من الصواب .

فإذا كان هو الصواب من القراءة ، فتأويل الكلام : فقالوا : يا ربنا باعد بين أسفارنا ; فاجعل بيننا وبين الشأم فلوات ومفاوز ، لنركب فيها الرواحل ، ونتزود معنا فيها الأزواد ، وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم ، وجهلهم بمقدار العافية ، ولقد عجل لهم ربهم الإجابة ، كما عجل للقائلين ( إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) أعطاهم ما رغبوا إليه فيه وطلبوا من المسألة .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال : ثنا عبثر قال : ثنا حصين ، عن أبي مالك في هذه الآية ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) قال : كانت لهم قرى متصلة باليمن ، كان بعضها ينظر إلى بعض ، فبطروا ذلك ، وقالوا : ربنا باعد بين أسفارنا قال : فأرسل الله عليهم سيل العرم ، وجعل طعامهم أثلا وخمطا وشيئا من سدر قليل .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم ) قال : فإنهم بطروا عيشهم ، وقالوا : لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه ، فمزقوا بين الشأم ، وسبإ ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ، وأثل وشيء من سدر قليل .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) بطر القوم نعمة الله وغمطوا كرامة الله ، قال الله ( وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ) .

[ ص: 390 ] حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) حتى نبيت في الفلوات والصحاري ( فظلموا أنفسهم ) .

وقوله ( فظلموا أنفسهم ) وكان ظلمهم إياها عملهم بما يسخط الله عليهم من معاصيه مما يوجب لهم عقاب الله ( فجعلناهم أحاديث ) يقول : صيرناهم أحاديث للناس يضربون بهم المثل في السب ، فيقال : تفرق القوم أيادي سبا ، وأيدي سبا إذا تفرقوا وتقطعوا .

وقوله ( ومزقناهم كل ممزق ) يقول : وقطعناهم في البلاد كل مقطع .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ) قال قتادة : قال عامر الشعبي : أما غسان فقد لحقوا بالشأم ، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب ، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة ، وأما الأزد فلحقوا بعمان .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : يزعمون أن عمران بن عامر وهو عم القوم كان كاهنا ، فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويتباعدون فقال لهم : إني قد علمت أنكم ستمزقون ، فمن كان منكم ذا هم بعيد ، وجمل شديد ، ومزاد جديد فليلحق بكأس أو كرود قال : فكانت وادعة بن عمرو ، ومن كان منكم ذا هم مدن وأمرد عن فليلحق بأرض شن فكانت عوف بن عمرو ، وهم الذين يقال لهم بارق ، ومن كان منكم يريد عيشا آينا وحرما آمنا فليلحق بالأرزين فكانت خزاعة ، ومن كان يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل ، فكانت الأوس ، والخزرج فهما هذان الحيان من الأنصار ، ومن كان يريد خمرا وخميرا ، وذهبا وحريرا ، وملكا وتأميرا فليلحق بكوسى وبصرى فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشأم ، ومن كان منهم بالعراق ، قال ابن إسحاق : قد سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمران بن عامر ، وكانت كاهنة ، فرأت في كهانتها ذلك ، [ ص: 391 ] والله أعلم أي ذلك كان قال : فلما تفرقوا ، نزلوا على كهانة عمران بن عامر .

وقوله ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) يقول - تعالى ذكره - : إن في تمزيقناهم كل ممزق لآيات ، يقول : لعظة وعبرة ودلالة على واجب حق الله على عبده من الشكر على نعمه إذا أنعم عليه وحقه من الصبر على محنته إذا امتحنه ببلاء لكل صبار شكور على نعمه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) كان مطرف يقول : نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث