الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى

( ولا يكره صوم الدهر إذا أفطر أيام النهي ولم يترك فيه حقا ، ولم يخفف ضررا ، لما روت أم كلثوم مولاة أسماء قالت : { قيل لعائشة : تصومين الدهر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر ؟ قالت : نعم ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صيام الدهر ، ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر } . وسئل عبد الله بن عمر عن صيام الدهر فقال : " أولئك فينا من السابقين ، يعني من صام الدهر " فإن خاف ضررا أو ضيع حقا كره " لما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء ، فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فرأى أم سلمة متبذلة ، فقال ما شأنك ؟ فقالت : إن أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا ، فقال سلمان : يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولجسدك عليك حقا ، فصم وأفطر ، وقم ونم ، وأت أهلك وأعط كل ذي حق حقه ، فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سلمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قال سلمان } ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي الدرداء وسلمان رواه البخاري في صحيحه ، وينكر على المصنف قوله فيه : روي بصيغة التمريض ، وإنما يقال ذلك [ ص: 441 ] في حديث ضعيف كما سبق بيانه مرات ، وقوله : " فرأى أم سلمة متبذلة " هكذا في جميع نسخ المهذب أم سلمة وهو غلط صريح ، وصوابه فرأى أم الدرداء ، وهي زوجة أبي الدرداء هكذا هو في صحيح البخاري وجميع كتب الحديث وغيرها ، واسم أم الدرداء هذه : خيرة - وهي صحابية - ولأبي الدرداء زوجة أخرى : يقال لها : أم الدرداء وهي تابعية فقيهة فاضلة حكيمة ، اسمها هجيمة وقيل : جهيمة ، وقد أوضحتها في تهذيب الأسماء . وأما حديث أم كلثوم عن عائشة . . . وأما الأثر المذكور عن ابن عمر فرواه البيهقي ولفظه " كنا نعد أولئك فينا من السابقين " .

( أما حكم المسألة ) فقال الشافعي والأصحاب في صوم الدهر نحو قول المصنف . والمراد بصوم الدهر سرد الصوم في جميع الأيام إلا الأيام التي لا يصح صومها وهي العيدان وأيام التشريق وحاصل حكمه عندنا أنه إن خاف ضررا أو فوت حقا بصيام الدهر كره له ، وإن لم يخف ضررا ولم يفوت حقا لم يكره ، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور ، وأطلق البغوي وطائفة قليلة أن صوم الدهر مكروه ، وأطلق الغزالي في الوسيط أنه مسنون . وكذا قال الدارمي : من قدر على صوم الدهر من غير مشقة ففعل فهو فضل .

وقال الشافعي في البويطي : لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر أيام النهي الخمسة . قال صاحب الشامل بعد أن ذكر النص : وبهذا قال عامة العلماء . فرع في مذاهب العلماء في صيام الدهر إذا أفطر أيام النهي الخمسة وهي العيدان والتشريق . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يكره إذا لم يخف منه ضررا ولم يفوت به حقا . قال صاحب الشامل : وبه قال عامة العلماء . وكذا نقله [ ص: 442 ] القاضي عياض وغيره من جماهير العلماء . وممن نقلوا عنه ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم والجمهور من بعدهم وقال أبو يوسف وغيره من أصحاب أبي حنيفة : يكره مطلقا ، واحتجوا بحديث ابن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا صام من صام الأبد ، لا صام من صام الأبد } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : { يا رسول الله ، كيف بمن يصوم الدهر كله ؟ قال : لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر } واحتج أصحابنا بحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { يا رسول الله ، إني رجل أسرد الصوم ، أفأصوم في السفر ؟ فقال : صم إن شئت وأفطر إن شئت } رواه مسلم ، وموضع الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه سرد الصوم ، ولا سيما وقد عرض به في السفر ، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين } رواه البيهقي هكذا مرفوعا وموقوفا على أبي موسى ، احتج به البيهقي على أنه لا كراهة في صوم الدهر وافتتح الباب به ، فهو عنده المعتمد في المسألة ، وأشار غيره إلى الاستدلال به على كراهته ، والصحيح ما ذهب إليه البيهقي ، ومعنى ضيقت عليه ، أي عنه فلم يدخلها ، أو ضيقت عليه ، أي لا يكون له فيها موضع .

وعن أبي مالك الأشعري الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام } رواه البيهقي بإسناد حسن وعن [ ص: 443 ] ابن عمر أنه سئل عن صيام الدهر فقال : " كنا نعد أولئك فينا من السابقين " رواه البيهقي . وعن عروة أن عائشة " كانت تصوم الدهر في السفر والحضر " رواه البيهقي بإسناد صحيح . وعن أنس قال : " كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الغزو ، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم لم أره مفطرا إلا يوم الفطر أو الأضحى " . رواه البخاري في صحيحه . وأجابوا عن حديث { لا صام من صام الأبد } بأجوبة : ( أحدها ) جواب عائشة الذي ذكره . المصنف وتابعها عليه خلائق من العلماء أن المراد من صام الدهر حقيقة بأن يصوم معه العيد والتشريق ، وهذا منهي عنه بالإجماع .

( والثاني ) أنه محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره ; لأنه يألفه ويسهل عليه فيكون خبرا لا دعاء ، ومعناه لا صام صوما يلحقه فيه مشقة كبيرة ، ولا أفطر بل هو صائم له ثواب الصائمين .

( والثالث ) أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوت به حقا ، ويؤيده أنه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كان النهي خطابا له ، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة ، وكان يقول : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك ، وأقر حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر . فرع في تسمية بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صام الدهر غير أيام النهي الخمسة - العيدين والتشريق . فمنهم عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وأبو طلحة الأنصاري ، وأبو أمامة وامرأته ، وعائشة رضي الله عنهم . وذكر البيهقي ذلك عنهم بأسانيده ، وحديث أبي طلحة في صحيح البخاري ، ومنهم [ ص: 444 ] سعيد بن المسيب وأبو عمرو بن حماس - بكسر الحاء المهملة وآخره سين - وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف التابعي ، سرده أربعين سنة ، والأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود ، ومنهم البويطي وشيخنا أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد المقدسي الفقيه الإمام الزاهد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث