الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" ، واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت .

و"القواعد" جمع "قاعدة" ، يقال للواحدة من "قواعد البيت" "قاعدة" ، وللواحدة من "قواعد النساء" وعجائزهن "قاعد" ، فتلغى هاء التأنيث ، لأنها "فاعل" من قول القائل : "قعدت عن الحيض" ، ولا حظ فيه للذكورة ، كما يقال : "امرأة طاهر وطامث" ، لأنه لا حظ في ذلك للذكور . ولو عنى به "القعود" الذي هو خلاف "القيام" ، لقيل : "قاعدة" ، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث . و"قواعد البيت" : إساسه .

ثم اختلف أهل التأويل في " القواعد" التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت . أهما أحدثا ذلك ، أم هي قواعد كانت له قبلهما ؟

فقال قوم : هي قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك ، ثم درس مكانه وتعفى أثره بعده ، حتى بوأه الله إبراهيم عليه السلام ، فبناه .

ذكر من قال ذلك :

2037 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء قال : قال آدم : يا رب ، إني لا أسمع أصوات الملائكة! قال : بخطيئتك ، ولكن اهبط إلى الأرض ، وابن لي بيتا ، ثم احفف به كما رأيت [ ص: 58 ] الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء . فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل : من" حراء " و" طورزيتا " ، و" طورسينا " ، و" جبل لبنان " ، و" الجودي " ، وكان ربضه من حراء . فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد .

2038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" قال : القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك .

وقال آخرون : بل هي قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض ، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء ، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان ، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت .

ذكر من قال ذلك :

2039 - حدثني محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن عبد الله بن عمرو قال : لما أهبط الله آدم من الجنة قال : إني مهبط معك - أو منزل - معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي . فلما كان زمن الطوفان رفع ، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه ، حتى بوأه الله إبراهيم ، وأعلمه مكانه ، فبناه من خمسة أجبل : من" حراء " و" ثبير " و" لبنان " و" جبل الطور " و" جبل الخمر " . [ ص: 59 ]

2040 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا إسماعيل ابن علية قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : لما أهبط آدم ، ثم ذكر نحوه .

2041 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا هشام بن حسان ، عن سوار [ ختن عطاء ] ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : لما أهبط الله آدم من الجنة ، كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء ، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، يأنس إليهم ، فهابته الملائكة ، حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها ، فخفضه إلى الأرض . فلما فقد ما كان يسمع منهم ، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته ، فوجه إلى مكة ، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة ، حتى انتهى إلى مكة . وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة ، فكانت على موضع البيت الآن ، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان ، فرفعت تلك الياقوتة ، حتى بعث الله إبراهيم فبناه . فذلك قول الله : "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت" .

2042 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : وضع الله البيت مع آدم ، حين أهبط الله آدم إلى الأرض ، وكان مهبطه بأرض الهند ، وكان رأسه في السماء ، ورجلاه في الأرض ، فكانت الملائكة تهابه ، فنقص إلى ستين ذراعا : فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم ، فشكا ذلك إلى الله تعالى ، فقال الله : يا آدم ، إني قد أهبطت إليك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي ، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي . [ ص: 60 ] فانطلق إليه آدم فخرج ، ومد له في خطوه ، فكان بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك . فأتى آدم البيت وطاف به ومن بعده من الأنبياء .

2043 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن أبان : أن البيت أهبط ياقوتة واحدة - أو درة واحدة - حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه ، وبقي أساسه ، فبوأه الله لإبراهيم ، فبناه بعد ذلك .

وقال آخرون : بل كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة . وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء ، وذلك في موضع البيت الحرام . ثم دحا الأرض من تحتها ، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم ، فبناه على أساسه . وقالوا : أساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة .

ذكر من قال ذلك :

2044 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال جرير بن حازم ، حدثني حميد بن قيس ، عن مجاهد قال : كان موضع البيت على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض ، مثل الزبدة البيضاء ، ومن تحته دحيت الأرض .

2045 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : قال عطاء وعمرو بن دينار : بعث الله رياحا فصفقت الماء ، فأبرزت في موضع البيت عن حشفة كأنها القبة ، فهذا البيت منها . فلذلك هي "أم القرى" . قال ابن جريج ، قال عطاء : ثم وتدها بالجبال كي لا تكفأ بميد ، فكان أول جبل "أبو قبيس" . [ ص: 61 ]

2046 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يعقوب القمي ، عن حفص بن حميد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : وضع البيت على أركان الماء ، على أربعة أركان ، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ، ثم دحيت الأرض من تحت البيت .

2047 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يعقوب ، عن هارون بن عنترة ، عن عطاء بن أبي رباح قال : وجدوا بمكة حجرا مكتوبا عليه : "إني أنا الله ذو بكة ، بنيته يوم صنعت الشمس والقمر ، وحففته بسبعة أملاك حنفاء" .

2048 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد وغيره من أهل العلم : أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام ، وخرج معه بإسماعيل وأمه هاجر ، وإسماعيل طفل صغير يرضع . وحملوا - فيما حدثني - على البراق ومعه جبريل يدله على [ ص: 62 ] موضع البيت ومعالم الحرم . فخرج وخرج معه جبريل ، فقال : كان لا يمر بقرية إلا قال : أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل : امضه! حتى قدم به مكة ، وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمر ، وبها أناس يقال لهم "العماليق" خارج مكة وما حولها ، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة ، فقال إبراهيم لجبريل : أهاهنا أمرت أن أضعهما ؟ قال : نعم . فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه ، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا ، فقال : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) إلى قوله : ( لعلهم يشكرون ) . [ سورة إبراهيم : 37 ]

قال ابن حميد : قال : سلمة قال : ابن إسحاق : ويزعمون - والله أعلم - أن ملكا من الملائكة أتى هاجر أم إسماعيل - حين أنزلهما إبراهيم مكة ، قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت - فأشار لها إلى البيت ، وهو ربوة حمراء مدرة ، فقال لها : هذا أول بيت وضع في الأرض ، وهو بيت الله العتيق ، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل هما يرفعانه للناس .

2049 - حدثني الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا هشام بن حسان قال : أخبرني حميد ، عن مجاهد قال : خلق الله موضع هذا [ ص: 63 ] البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة ، وأركانه في الأرض السابعة .

2050 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن عيينة قال : أخبرني بشر بن عاصم ، عن ابن المسيب قال : حدثنا كعب : إن البيت كان غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة ، ومنه دحيت الأرض . قال [ سعيد ] : وحدثنا عن علي بن أبي طالب : أن إبراهيم أقبل من أرمينية معه السكينة ، تدله على تبوئ البيت ، كما تتبوأ العنكبوت بيتها . قال : فرفعت عن أحجار تطيقه - أو لا تطيقه - ثلاثون رجلا قال : قلت : يا أبا محمد فإن الله يقول : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " قال : كان ذاك بعد . [ ص: 64 ]

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل ، رفعا القواعد من البيت الحرام . وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم ، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة . وجائز أن يكون ذلك كان القبة التي ذكرها عطاء ، مما أنشأه الله من زبد الماء . وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أهبطا من السماء . وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انهدم ، حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل . ولا علم عندنا بأي ذلك كان من أي ، لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ، بالنقل المستفيض . ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها ، ولا هو - إذ لم يكن به خبر ، على ما وصفنا - مما يدل عليه بالاستدلال والمقاييس ، فيمثل بغيره ، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد ، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب مما قلنا . والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث