الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم

وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون .

عطف على جملة واسألوا ما أنفقتم فإنها لما ترتب على نزولها إباء المشركين من أن يردوا إلى أزواج النساء اللائي بقين على الكفر بمكة واللائي فررن من المدينة والتحقن بأهل الكفر بمكة مهورهم التي كانوا أعطوها نساءهم ، عقبت بهذه الآية لتشريع رد تلك المهور من أموال المسلمين فيما بينهم .

روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من التراد بين الفريقين في قوله تعالى واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا .

فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الآية .

[ ص: 162 ] وأصل الفوت : المفارقة والمباعدة ، والتفاوت : المتباعد . والفوت هنا مستعار لضياع الحق كقول رويشد بن كثير الطائي أو عمرو بن معد يكرب :

إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم فما علي بذنب منكم فوت

أي فلا ضياع علي بما أذنبتم ، أي فإنا كمن لم يضع له حق .

والمعنى : إن فرت بعض أزواجكم ولحقت بالكفار وحصل التعاقب بينكم وبين الكفار فعقبتم على أزواج الكفار وعقب الكفار على أزواجكم وأبى الكفار من دفع مهور بعض النساء اللائي ذهبن إليهم ، فادفعوا أنتم لمن حرمه الكفار مهر امرأته ، أي ما هو حقه ، واحجزوا ذلك على الكفار . وهذا يقتضي أنه إن أعطي جميع المؤمنين مهور من فاتهم من نسائهم وبقي للمشركين فضل يرده المسلمون إلى الكفار . وهذا تفسير الزهري في رواية يونس عنه وهو أظهر ما فسرت به الآية .

وعن ابن عباس والجمهور : الذين فاتهم أزواجهم إلى الكفار يعطون مهور نسائهم من مغانم المسلمين . وهذا يقتضي أن تكون الآية منسوخة بآية سورة براءة كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله .

والوجه أن لا يصار إلى الإعطاء من الغنائم إلا إذا لم يكن في ذمم المسلمين شيء من مهور نساء المشركين اللائي أتين إلى بلاد الإسلام وصرن أزواجا للمسلمين .

والكلام إيجاز حذف شديد دل عليه مجموع الألفاظ وموضع الكلام عقب قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم .

ولفظ ( شيء ) هنا مراد به : بعض من أزواجكم بيان ل ( شيء ) ، وأريد بـ ( شيء ) تحقير الزوجات اللائي أبين الإسلام ، فإن المراد قد فاتت ذاتها عن زوجها فلا انتفاع له بها .

وضمن فعل ( فاتكم ) معنى الفرار فعدي بحرف ( إلى ) أي فررن إلى الكفار .

[ ص: 163 ] و ( عاقبتم ) صيغة تفاعل من العقبة بضم العين وسكون القاف وهي النوبة ، أي مصير أحد إلى حال كان فيها غيره . وأصلها في ركوب الرواحل والدواب أن يركب أحد عقبة وآخر عقبة شبه ما حكم به على الفريقين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك في بعض الأحوال ومن أداء أولئك مهور نساء هؤلاء في أحوال أخرى مماثلة بمركوب يتعاقبون فيه .

ففعل ( ذهبت ) مجاز مثل فعل ( فاتكم ) في معنى عدم القدرة عليهن .

والخطاب في قوله وإن فاتكم شيء من أزواجكم وفي قوله فآتوا خطاب للمؤمنين والذين ذهبت أزواجهم هم أيضا من المؤمنين .

والمعنى : فليعط المؤمنون لإخوانهم الذين ذهبت أزواجهم ما يماثل ما كانوا أعطوه من المهور لزوجاتهم .

والذي يتولى الإعطاء هنا هو كما قررنا في قوله وآتوهم ما أنفقوا أي يدفع ذلك من أموال المسلمين كالغنائم والأخماس ونحوها كما بينته السنة ، أعطى النبيء - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب ، وعياض بن أبي شداد الفهري ، وشماس بن عثمان ، وهشام بن العاص ، مهور نسائهم اللاحقات بالمشركين من الغنائم .

وأفاد لفظ ( مثل ) أن يكون المهر المعطى مساويا لما كان أعطاه زوج المرأة من قبل لا نقص فيه .

وأشارت الآية إلى نسوة من نساء المهاجرين لم يسلمن وهن ثمان نساء : أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد ، وفاطمة بنت أبي أمية ويقال : قريبة وهي أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب ، وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر ، وبروع بفتح الباء على الأصح ( والمحدثون يكسرونها ) بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وشهبة بنت غيلان . وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص ، وقيل تحت عمرو بن عبد . وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص ، وأروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كانت تحت طلحة بن عبيد الله ، وكان قد هاجر وبقيت زوجه مشركة بمكة فلما نزلت الآية طلقها طلحة بن عبيد الله .

[ ص: 164 ] وقد تقدم أن عمر طلق زوجتيه قريبة وأم جرول ، فلم تكونا ممن لحقن بالمشركين ، وإنما بقيتا بمكة إلى أن طلقهما عمر . وأحسب أن جميعهن إنما طلقهن أزواجهن عند نزول قوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر .

والتذييل بقوله واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون تحريض للمسلمين على الوفاء بما أمرهم الله وأن لا يصدهم عن الوفاء ببعضه معاملة المشركين لهم بالجور وقلة النصفة ، فأمر بأن يؤدي المسلمون لإخوانهم مهور النساء اللائي فارقوهن ولم يرض المشركون بإعطائهم مهورهن ولذلك أتبع اسم الجلالة بوصف الذي أنتم به مؤمنون لأن الإيمان يبعث على التقوى والمشركون لما لم يؤمنوا بما أمر الله انتفى منهم وازع الإنصاف ، أي فلا تكونوا مثلهم .

والجملة الاسمية في الصلة للدلالة على ثبات إيمانهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث