الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز صوم يوم الشك ; لما روي عن عمار رضي الله عنه أنه قال : { من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } فإن صام يوم الشك عن رمضان لم يصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { ولا تستقبلوا الشهر استقبالا } ولأنه يدخل في العبادة وهو في شك من وقتها فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها ، وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه ، كما لو صلى في دار مغصوبة ، وإن صام عن تطوع نظرت - فإن لم يصمه بما قبله ولا وافق عادة له - لم يصح ; لأن الصوم قربة - فلم يصح بقصد معصية ، وإن وافق عادة جاز ; لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم } وإن وصله بما قبل النصف جاز ، وإن وصله بما بعده لم يجز ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان } ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث عمار رواه أبو داود والترمذي وقال : هو حديث حسن صحيح . وأما حديث : { لا تستقبلوا الشهر } فصحيح رواه النسائي من رواية ابن عباس بإسناد صحيح وسبق بيانه في أوائل كتاب الصيام في وجوب صوم رمضان برؤية الهلال . وأما حديث أبي هريرة { لا تقدموا الشهر } فرواه البخاري ومسلم ، وحديثه الآخر { إذا انتصف شعبان فلا صيام } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ولم يضعفه أبو داود في سننه بل رواه وسكت عليه . وحكى البيهقي عن أبي داود أنه قال : قال أحمد بن حنبل : هذا حديث منكر قال : وكان عبد الرحمن لا يحدث به - يعني عبد الرحمن بن مهدي - وذكر النسائي عن أحمد بن حنبل هذا الكلام ، قال أحمد : " والعلاء بن عبد الرحمن [ ص: 453 ] ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا الحديث " قال النسائي : ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير العلاء .

( أما حكم المسألة ) فقال أصحابنا : لا يصح صوم يوم الشك عن رمضان بلا خلاف لما ذكره المصنف ، فإن صامه عن قضاء أو نذر أو كفارة أجزأه وفي كراهته وجهان . قال القاضي أبو الطيب : يكره وبه قطع المصنف ، ونقله صاحب الحاوي عن مذهب الشافعي ( والثاني ) لا يكره ، وبه قطع الدارمي وهو مقتضى كلام المتولي والجمهور واختاره ابن الصباغ وغيره قال ابن الصباغ في الشامل : قال القاضي أبو الطيب : يكره ويجزئه ، قال : ولم أر ذلك لغيره من أصحابنا ، قال : وهو مخالف للقياس ; لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعا له سبب فالفرض أولى ، كالوقت الذي نهي عن الصلاة فيه ، ولأنه إذا كان عليه قضاء يوم من رمضان ، فقد تعين عليه ; لأن وقت قضائه قد ضاق . وأما إذا صامه تطوعا فإن كان له سبب بأن كان عادته صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه جاز صومه بلا خلاف بين أصحابنا . وبهذه المسألة احتج ابن الصباغ في المسألة السابقة كما سبق .

ودليله حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف ، وإن لم يكن له سبب فصومه حرام ، وقد ذكر المصنف دليله ، فإن خالف ; وصام أثم بذلك . وفي صحة صومه وجهان مشهوران في طريقة خراسان ( أصحهما ) بطلانه ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما من العراقيين ( والثاني ) يصح ، وبه قطع الدارمي وصححه السرخسي ; لأنه صالح للصوم في الجملة بخلاف صوم العيد . قال الخراسانيون : وهذان الوجهان كالوجهين في صحة الصلاة ، المنهي عنها في وقت النهي ، قالوا : ولو نذر صومه ففي صحة نذره وجهان بناء على صحة صومه إن صح صح ، وإلا فلا . قالوا : فإن صححناه فليصم يوما غيره فإن صامه أجزأه عن نذره . هذا كله إذا لم يصل يوم الشك بما قبل نصف شعبان ، فأما إذا وصله بما قبله فيجوز بالاتفاق ; لما ذكره المصنف ، فإن وصله بما بعد نصف شعبان لم يجزه ; لما ذكره المصنف ، أما إذا صام بعد نصف شعبان غير يوم الشك ففيه وجهان ( أصحهما ) وبه قطع المصنف وغيره [ ص: 454 ] ومن المحققين لا يجوز للحديث السابق ( والثاني ) يجوز ولا يكره ، وبه قطع المتولي وأشار المصنف في التنبيه إلى اختياره ، وأجاب المتولي عن الحديث السابق " { إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان } بجوابين : ( أحدهما ) أن هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث .

( والثاني ) أنه محمول على من يخاف الضعف بالصوم فيؤمر بالفطر حتى يقوى لصوم رمضان ، والصحيح ما قاله المصنف وموافقوه ، والجوابان اللذان ذكرهما المتولي ينازع فيهما .

( فرع ) قال أصحابنا : يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في ألسنة الناس أنه رئي ولم يقل عدل : إنه رآه أو قاله ، وقلنا : لا تقبل شهادة الواحد ، أو قاله عدد من النساء أو الصبيان أو العبيد أو الفساق . وهذا الحد لا خلاف فيه عند أصحابنا . قالوا : فأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك ، سواء أكانت السماء مصحية أو أطبق الغيم ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي وجها عن أبي محمد البافي - بالموحدة وبالفاء - وإن كانت السماء مصحية - ولم ير الهلال فهو شك - وحكى أيضا وجها آخر عن أبي طاهر الزيادي من أصحابنا أن يوم الشك ما تردد بين [ ص: 455 ] الجائزين من غير ترجيح فإن شهد عبد أو صبي أو امرأة فقد ترجح أحد الجانبين فليس بشك ، ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن رؤية الهلال من خلالها ، ويمكن أن يخفى تحتها ولم يتحدث برؤيته فوجهان ، قال الشيخ أبو محمد : وهو يوم الشك ، وقال غيره : ليس بيوم شك وهو أصح ، وقال إمام الحرمين : إن كانوا في سفر ولم تبعد رؤية أهل القرى فيحتمل جعله يوم شك ، هذا كلامه . فرع في مذاهب العلماء في صوم يوم الشك .

قد ذكرنا أنه لا يصح صومه بنية رمضان عندنا ، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وابن مسعود وعمار وحذيفة وأنس وأبي هريرة وأبي وائل وعكرمة وابن المسيب والشعبي والنخعي وابن جريج والأوزاعي قال : وقال مالك : سمعت أهل العلم ينهون عنه . هذا كلام ابن المنذر ، وممن قال به أيضا عثمان بن عفان وداود الظاهري قال ابن المنذر : وبه أقول ، وقالت عائشة وأختها أسماء : نصومه من رمضان وكانت عائشة تقول : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " وروي هذا عن علي أيضا . قال العبدري : ولا يصح عنه ، وقال الحسن وابن سيرين : إن صام الإمام صاموا ، وإن أفطر أفطروا ، وقال ابن عمر وأحمد بن حنبل : إن كانت السماء مصحية لم يجز صومه ، وإن كانت مغيمة وجب صومه عن رمضان .

وعن أحمد روايتان كمذهبنا ومذهب الجمهور ، وعنه رواية ثالثة كمذهب الحسن هذا بيان مذاهبهم في صوم يوم الشك عن رمضان ، فلو صامه تطوعا بلا عادة ولا وصلة فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز ، وبه قال الجمهور ، وحكاه العبدري عن عثمان وعلي وعبد الله بن مسعود . [ ص: 456 ] وحذيفة وعمار وابن عباس وأبي هريرة وأنس والأوزاعي ومحمد بن مسلمة المالكي وداود ، وقال أبو حنيفة لا يكره صومه تطوعا ويحرم صومه عن رمضان . واحتج لمن قال بصومه عن رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له } رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ، وزعموا أن معناه ضيقوا عدة شعبان بصوم رمضان ، وبأن عائشة وأسماء وابن عمر كانوا يصومونه ، فروى البيهقي عن عائشة أنها سئلت عن صوم يوم الشك فقالت : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " وعنأسماء " أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان " عن أبي هريرة " لأن أصوم اليوم الذي يشك فيه من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " .

قال البيهقي : ورواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن تقدم الشهر بصوم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصح من هذا ، قال البيهقي : وأما قول علي رضي الله عنه في ذلك ، فإنما قاله عند شهادة رجل على رواية الهلال فلا حجة فيه . قال : وأما مذهب ابن عمر في ذلك فقد روينا عنه أنه قال : " لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه " وفي رواية عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال : رأيت ابن عمر يأمر رجلا بفطر في اليوم الذي يشك فيه " قال : ورواية يزيد بن هارون تدل على أن مذهب عائشة في ذلك كمذهب ابن عمر في الصوم إذا غم الشهر دون أن يكون صحوا . قال البيهقي ، ومتابعة السنة الثابتة وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل المدينة أولى بنا وهو منع صوم يوم الشك . هذا كلام البيهقي . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لهما عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الشهر تسع وعشرون ليلة ، فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين } وفي رواية لمسلم " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان [ ص: 457 ] فضرب بيديه فقال : الشهر هكذا وهكذا ، ثم عقد إبهامه في الثالثة وقال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين } وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح زيادة قال : " وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له فإن رئي فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح مفطرا ، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائما قال : وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب " .

وعن أبي هريرة قال : " قال النبي صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } رواه البخاري ، وعنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما } رواه مسلم ، وفي رواية له : { فإن غم عليكم فأكملوا العدة } وفي رواية { فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين } وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما ذكرناه ، قال أهل اللغة : يقال : قدرت الشيء أقدره وأقدره - بضم الدال وكسرها - وقدرته وأقدرته بمعنى واحد ، وهو من التقدير قال الخطابي : ومنه قوله تعالى { فقدرنا فنعم القادرون } واحتج أصحابنا بالرواية السابقة " فأكملوا العدة ثلاثين " وهو تفسير ل " اقدروا له " ولهذا لم يجتمعا في رواية ، بل تارة يذكر هذا ، وتارة يذكر هذا وتؤيده الرواية السابقة " فاقدروا ثلاثين " قال الإمام أبو عبد الله الماوردي : حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم " فاقدروا له " على أن المراد إكمال العدة ثلاثين ، كما فسره في حديث آخر ، قالوا : ويوضحه ويقطع كل احتمال وتأويل فيه رواية البخاري " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما " وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي البختري قال : " { أهللنا رمضان ونحن بذات عرق فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس [ ص: 458 ] يسأله فقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أمده لرؤيته فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة } رواه مسلم .

وعن ابن عباس أيضا قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حالت دونه غمامة فأكملوا شعبان ثلاثين يوما } رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته ، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا } رواه النسائي بإسناد صحيح ، وعنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء كان يصومه أحدكم ، لا تصوموا حتى تروه ، ثم صوموا حتى تروه ، فإن حالت دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا } . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أحصوا هلال شعبان لرمضان } رواه الترمذي ، وعن مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية بإسناده الصحيح قال : لا نعرف مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية قال : والصحيح رواية أبي هريرة السابقة " { لا تقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين } هذا كلام الترمذي ، وهذا الذي قاله ليس بقادح في الحديث ، لأن أبا معاوية ثقة حافظ ، فزيادته مقبولة .

وعن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام } رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارقطني وقال : إسناده صحيح .

وعن حذيفة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة } رواه أبو داود والنسائي بإسناد على شرط البخاري ومسلم . وعن عمار قال : { من صام اليوم الذي يشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة ، والجواب عما احتج به المخالفون سبق بيانه ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث