الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث يا رسول الله قد ذهب أهل الدثور بالدرجات

130 - الحديث الثالث : عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن فقراء المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم . قال وما ذاك ؟ قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق . ويعتقون ولا نعتق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم ، وتسبقون من بعدكم . ولا يكون أحد أفضل منكم ، إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله . قال : تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة : ثلاثا وثلاثين مرة . قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين ، فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ، ففعلوا مثله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } .

[ ص: 327 ]

التالي السابق


[ ص: 327 ] قال : سمي : فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث . فقال : وهمت ، إنما قال لك : تسبح الله ثلاثا وثلاثين ، وتحمد الله ثلاثا وثلاثين ، وتكبر الله ثلاثا وثلاثين . فرجعت إلى أبي صالح ، فقلت له ذلك . فقال : قل الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين " . الحديث يتعلق بالمسألة المشهورة بالتفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر وقد اشتهر فيها الخلاف . والفقراء ذكروا للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقتضي تفضيل الأغنياء بسبب القربات المتعلقة بالمال . وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . ولكن علمهم ما يقوم مقام تلك الزيادة . فلما قالها الأغنياء ساووهم فيها . وبقي معهم رجحان قربات الأموال . فقال عليه السلام " وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " فظاهره القريب من النص : أنه فضل الأغنياء بزيادة القربات المالية . وبعض الناس تأول قوله " وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " بتأويل مستكره ، ويخرجه عما ذكرناه من الظاهر . والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية أن يكون الغني أفضل ، ولا شك في ذلك .



وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط . وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه وإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر ، يرجع إلى تفسير الأفضل . فإن فسر بزيادة الثواب ، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة . وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس ، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق ، والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر : أشرف . فيترجح الفقراء . ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر ، لأن مدار [ ص: 328 ] الطريق على تهذيب النفس ورياضتها . وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى ، فكان أفضل بمعنى الأشرف وقوله " ذهب أهل الدثور " الدثر : هو المال الكثير . وقوله " تدركون به من سبقكم " يحتمل أن يراد به السبق المعنوي . وهو السبق في الفضيلة . وقوله " من بعدكم " أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل . ويحتمل أن يراد القبلية الزمانية ، والبعدية الزمانية . ولعل الأول أقرب إلى السياق . فإن سؤالهم كان عن أمر الفضيلة ، وتقدم الأغنياء فيها . وقوله " لا يكون أحد أفضل منكم " يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة المال ، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء مشروطة بأن لا يفعلوا هذا الفعل الذي أمر به الفقراء . وفي تلك الرواية تعليم كيفية هذا الذكر . وقد كان يمكن أن يكون فرادى - أي كل كلمة على حدة - ولو فعل ذلك جاز ، وحصل به المقصود . ولكن بين في هذه الرواية أنه يكون مجموعا ، ويكون العدد للجملة . وإذا كان ذلك يحصل في كل فرد هذا العدد ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث