الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في المعالجة بالحجامة والعسل والكي والمسهلات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 83 ] فصل ( في المعالجة بالحجامة والعسل والكي والمسهلات ) .

عن ابن عباس مرفوعا { الشفاء في ثلاثة ، في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنهى أمتي عن الكي } رواه البخاري ومتفق على معناه من حديث جابر إلا أن فيه بدل { وأنهى أمتي عن الكي وما أحب أن أكتوي } وعن ابن عباس مرفوعا { أن خير ما تداويتم به السعوط ، واللدود ، والحجامة ، والمشي } رواه الترمذي وقال : حسن غريب . السعوط ما يسعط به في الأنف وسبق معنى اللدود في فصل عن سعد بن أبي وقاص ، والمشي كناية عن الإسهال وسبق الكلام فيه في فصل عن أسماء .

قال بعضهم : أمراض الامتلاء دموية أو صفراوية أو بلغمية ، أو سوداوية : فالدموية شفاؤها إخراج الدم والأقسام الثلاثة شفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها . وكأنه صلى الله عليه وسلم نبه بالعسل على المسهلات . وبالحجامة على الفصد .

وقال بعضهم : إن كان المرض حارا عالجناه بإخراج الدم ; لأن فيه استفراغا للمادة وتبريدا للمزاج ، وإن كان باردا عالجناه بالتسخين وذلك موجود في العسل ، فإن كان يحتاج بعد ذلك إلى استفراغ المادة الرطبة فالعسل أيضا يفعل ذلك بما فيه من الإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة برفق وأمن من نكبات المسهلات القوية .

وأما الكي فكل واحد من الأمراض المادية إن كان حادثا كان سريع الانقضاء لأحد الطرفين لا يحتاج إليه فيه ، وإن كان مزمنا فأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي ; لأنه لا يكون مزمنا إلا عن مادة رطبة غليظة قد رسخت في العضو وأفسدت مزاجه وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها فيشتغل في ذلك العضو فيستخرج [ ص: 84 ] بالكي لتلك المادة من ذلك المكان فيه يأخذ الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة .

ففي هذا الحديث معالجة الأمراض المادية جميعها ، وهي إما حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة أو ما تركب منها فهذه كيفيات أربع فالحرارة والبرودة فاعلتان ، والرطوبة واليبوسة منفعلتان ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم { إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء } معالجة الأمراض الساذجة التي لا مادة لها .

وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه ، وفي رواية استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فذهب ثم رجع فقال قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، وفي رواية فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول له اسقه عسلا فقال له في الثالثة أو الرابعة : صدق الله وكذب بطن أخيك } وفي لفظ لمسلم إن أخي عرب بطنه أي فسد هضمه واعتلت معدته والاسم العرب بفتح الراء والذرب أيضا وأراد بقوله عليه السلام " صدق الله " هذه الآية وهو يدل على أن الضمير في قوله : { فيه شفاء للناس } يرجع إلى العسل .

ثم روي عن ابن مسعود وقتادة أنه عام في كل مرض وقال السدي فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه قال ابن الجوزي : الصحيح أن ذلك خرج مخرج الغالب قال ابن الأنباري : والغالب في العسل أنه يعمل في الأدواء فإذا لم يوافق آحاد المرضى فقد وافق الأكثرين ، وهذا كقول العرب الماء حياة لكل شيء وقد نرى من يقتله الماء ، وإنما الكلام على [ ص: 85 ] الأغلب قال بعضهم العسل جلاء للوسخ الذي في العروق والأمعاء وغيرها محلل المرطوبات أكلا وطلاء نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن مزاجه بارد رطب ، مغذ ملين للطبيعة حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة ، منق للكبد والصدر ، مدر للبول موافق للسعال عن بلغم ، وشربه حارا بدهن ورد ينفع من نهش الهوام وشرب الأفيون ، وشربه وحده ممزوجا بماء ينفع من عضة الكلب وأكل الفطر القتال .

وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر ، وكذا إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ، ويحفظ كثيرا من الفواكه إلى ستة أشهر ، ويحفظ جثث الموتى ويسمى الحافظ الأمين ، وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه ، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر ، وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة ، ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث . ولعقه على الريق يذيب البلغم ، ويغسل خمل المعدة ، ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح سددها ، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل ضررا لسدد الكبد والطحال من كل حلو وهو مأمون الغائلة ، ويضر بالعرض الصفراويين يندفع ضرره بالخل ونحوه فيصير حينئذ نافعا لهم جدا ، وهو غذاء ودواء وشراب وحلو وطلاء ومفرح ، فما خلق لنا شيء في معناه قريب منه ولم يعول القدماء إلا عليه ، والسكر حديث العهد ولا سيما لمن اعتاد العسل ولم يعتد هذه الأشربة فلا تلائمه والعادة معتبرة في الطب . [ ص: 86 ]

قال ابن زهير : العسل ألطف من السكر وأسرع نفوذا وأقوى تلطيفا للأخلاط وهو يميل بجوهره إلى اللطافة ; لأن أصله طل والسكر يميل بجوهره إلى الكثافة والأرضية ولا يبلغ السكر درجته في جلائه وتلطيفه ، وأجود العسل أصفاه وأبيضه وألينه حدة وأحلاه وهو بحسب مرعى نحله ، وفضل بعض الناس السكر على العسل ; لأنه أقل حرارة وهو رطب وهذا ضعيف ومنافع العسل أضعاف منافع السكر ، وفي الخبر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب العسل بالماء على الريق } . ولابن ماجه من حديث الزبير بن سعيد ضعفه الأكثر عن عبد الحميد بن سالم تفرد عنه الزبير عن أبي هريرة قال البخاري : لا يعرف له سماع منه مرفوعا { من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء } وله أيضا من حديث عبد الله { عليكم بالشفاءين العسل والقرآن } .

ووصف النبي صلى الله عليه وسلم العسل الذي استطلق بطنه ; لأنه كان عن تخمة عن امتلاء ليدفع الفضول المجتمعة ; لأن فيه جلاء ودفعا للفضول وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة تمنع استفراغ الغذاء فيها للزوجتها ، فإن المعدة لها خمل كخمل المنشفة وإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط والعسل من أحسنه لا سيما إن مزج بماء حار ، وإنما كرر سقيه ; لأن الدواء يجب أن يكون بحسب حال الداء إن قصر لم يزله بالكلية ، وإن جاوزه أوهى القوى فلما كرر السقي بحسب الداء برئ بإذن الله .

وقد قال الأطباء : متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل إلى الدواء ، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل إلى المركب . وكل داء أمكن دفعه بغذاء أو حمية لم يحاول دفعه بدواء وقيل : الضمير في قوله : [ ص: 87 ] { فيه شفاء } . يرجع إلى الاعتبار والشفاء بمعنى الهدى قاله الضحاك وقال مجاهد يعود إلى القرآن والله أعلم .

وأما الحجامة ففيها أخبار كثيرة مشهورة يأتي بعضها في الفصل بعده في فعلها وفضلها ووقتها وفيها فعلا منه صلى الله عليه وسلم وقولا سبع عشرة أو إحدى وعشرين وهي توافق ما قاله الأطباء أنها أنفع في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث ; لأن الأخلاط حينئذ تكون هائجة بائغة في تزيدها لتزيد النور في جرم القمر ، يقال : تبوغ به الدم وتبغ به أي هاج به ، ويقال : أصله يبتغي من البغي فقلب مثل جذب وجبذ ، هذا فيما إذا فعل احتياطا تحرزا من الأذى وحفظا للصحة .

وفي هذا قال الأطباء : يفعل في الساعة الثانية أو الثالثة ، ويجب توقيتها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليظ ، فيجب أن يستحم ثم يتوقف ساعة ثم يحتجم ، قالوا : وتكره على الشبع ، فإنها ربما أورثت سدادا أو أمراضا رديئة لا سيما إذا كان الغذاء رديئا غليظا وفي أثر : الحجامة على الريق دواء وعلى الشبع داء ، وفي سبعة عشر من الشهر شفاء . فأما مع الحاجة إليها فتنفع كل وقت ، ويجب استعمالها .

قال الخلال : أخبرني عصمة بن عصام أنبأنا حنبل قال كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت ولم يذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم كراهة الحجامة في القمحدوة بزيادة الميم ما خلف القفا والجمع قماحد ، ولهذا رخص أحمد رحمه الله في حلق القفا وقت الحجامة .

وروى أبو نعيم عن النبي صلى الله عليه وسلم { عليكم بالحجامة ، فإنها تشفي من خمسة أدواء } ذكر منها الجذام .

وفي حديث آخر { فإنها شفاء من اثنين وسبعين [ ص: 88 ] داء } ومثل هذه الأخبار لا يعتمد عليها واستحسنه بعض الأطباء . وإنها تنفع من جحظ العين والسوء العارض فيها ومن ثقل الحاجبين والجفن وجربه وذكرها صاحب القانون وقال : إنها تورث النسيان حقا كما قاله سيدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم قال { مؤخر الرأس موضع الحفظ } . وهذا الخبر لا يعرف ، وإنما تضعف الحجامة مؤخر الدماغ مع عدم الحاجة .

وروي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها فاحتجم في جانبي قفاه ولم يحتجم في النقرة ، ومتى استعملت الحجامة بلا حاجة بل تحرزا واحتياطا فقد كرهها أحمد يوم السبت ، ويوم الأربعاء لقوله صلى الله عليه وسلم { من احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء فأصابه وضح يعني : البرص فلا يلومن إلا نفسه } من مراسيل الزهري وهو مرسل صحيح .

ورواه أبو داود وغيره مسندا ولا يصلح ، وتوقف أحمد في الجمعة قاله القاضي وكرهه جماعة من أصحابه فيه لخبر ابن عمر مرفوعا { إن فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم } رواه البيهقي وغيره من رواية العطاف بن خالد وهو مختلف في توثيقه . وعن ابن عمر مرفوعا { احتجموا يوم الخميس واجتنبوا يوم الأربعاء والجمعة والسبت ، ويوم الأحد واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء } إسناده ضعيف رواه ابن ماجه وعن أبي بكرة أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ، ويزعم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ إسناده فيه ضعف رواه أبو داود

، ولعله يؤخذ من اقتصار أبي داود على هذا أنه يقول به ، والحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد ، والفصد لأعماق البدن أفضل والحجامة أفضل في بلد حار وما في معنى ذلك من زمان وسن والفصد [ ص: 89 ] بالعكس .

والحجامة تفريق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق وخاصة العروق التي تفصد كثيرا ، ولفصد كل واحد منها نفع خاص ذكره الأطباء ، ففصد الباسليق ينفع من حرارة الكبد والطحال وورم فيهما من الدم ومن ورم الرئة والشوصة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك ، وفصد الأكحل ينفع من الامتلاء الدموي العارض في البدن ومن الدم الفاسد في البدن .

وفصد القيفال ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم وإفساده ، وفصد الودجين ينفع من وجع الطحال والربو والبهق ووجع الجبين . والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده . والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استعملت في وقتها وتنقي الرأس والكتفين .

والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عظيم عند الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين . والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره من النقرس والبواسير والقيل ولحكة الظهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث