الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( و ) لذا ( تصح ) عاما [ ص: 312 ] وخاصا ومطلقا ومؤقتا و ( مع التفاضل في المال دون الربح وعكسه ، وببعض المال دون بعض ، وبخلاف الجنس كدنانير ) من أحدهما ( ودراهم من الآخر ، و ) بخلاف الوصف كبيض وسود

[ ص: 312 ]

التالي السابق


( قوله : ولذا ) أي لكونها لا تقتضي الكفالة ، ومقتضاه أنها لو اقتضتها لم تصح خاصة أي في نوع من أنواع التجارة ولا مؤقتة بوقت خاص .

قال ح وهذا يقتضي أن المفاوضة لا تكون خاصة مع أنها تكون كما صرح به في البحر ا هـ .



[ ص: 312 ] مطلب في توقيت الشركة روايتان

ثم إذا وقتها فهل تتوقف بالوقت حتى لا تبقى بعد مضيه ؟ فيه روايتان كما في توقيت الوكالة ، وتمامه في البحر عن المحيط ولم يذكر ترجيحا ، وجزم في الخانية بأنها تتوقت حيث قال : والتوقيت ليس بشرط لصحة هذه الشركة والمضاربة ، وإن وقتا لذلك وقتا بأن قال ما اشتريت اليوم فهو بيننا صح التوقيت ، فما اشتراه بعد اليوم يكون للمشتري خاصة ، وكذا لو وقت المضاربة ; لأنها والشركة توكيل والوكالة مما يتوقف . ا هـ . لكن سيذكر الشارح في كتاب الوكالة عن البزازية الوكيل إلى عشرة أيام وكيل في العشرة وبعدها في الأصح تأمل . ( قوله : ومع التفاضل في المال دون الربح ) أي بأن يكون لأحدهما ألف وللآخر ألفان مثلا واشترطا التساوي في الربح ، وقوله وعكسه : أي بأن يتساوى المالان ويتفاضلا في الربح ، لكن هذا مقيد بأن يشترط الأكثر للعامل منهما أو لأكثرها عملا ، أما لو شرطاه للقاعد أو لأقلهما عملا فلا يجوز كما في البحر عن الزيلعي والكمال .

قلت : والظاهر أن هذا محمول على ما إذا كان العمل مشروطا على أحدهما .

وفي النهر : اعلم أنهما إذا شرطا العمل عليهما إن تساويا مالا وتفاوتا ربحا جاز عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر والربح بينهما على ما شرطا وإن عمل أحدهما فقط ; وإن شرطاه على أحدهما ، فإن شرطا الربح بينهما بقدر رأس مالهما جاز ، ويكون مال الذي لا عمل له بضاعة عند العامل له ربحه وعليه وضيعته ، وإن شرطا الربح للعامل أكثر من رأس ماله جاز أيضا على الشرط ويكون مال الدافع عند العامل مضاربة ، ولو شرطا الربح للدافع أكثر من رأس ماله لا يصح الشرط ويكون مال الدافع عند العامل بضاعة لكل واحد منهما ربح ماله والوضيعة بينهما على قدر رأس مالهما أبدا هذا حاصل ما في العناية ا هـ ما في النهر .

قلت : وحاصل ذلك كله أنه إذا تفاضلا في الربح ، فإن شرطا العمل عليهما سوية جاز : ولو تبرع أحدهما بالعمل وكذا لو شرطا العمل على أحدهما وكان الربح للعامل بقدر رأس ماله أو أكثر ولو كان الأكثر لغير العامل أو لأقلهما عملا لا يصح وله ربح ماله فقط ، وهذا إذا كان العمل مشروطا كما يفيده قوله إذا شرطا العمل عليهما إلخ فلا ينافي ما ذكره الزيلعي في كتاب المضاربة من أنه إذا أراد رب المال أن يجعل المال مضمونا على المضارب أقرضه كله إلا درهما منه وسلمه إليه وعقد شركة العنان ثم يدفع إليه الدرهم ويعمل فيه المستقرض ، فإن ربح كان بينهما على ما شرطا ، وإن هلك هلك عليه ا هـ ورأيت مثله في آخر مبسوط السرخسي .

ووجه عدم المنافاة أن العمل هنا لم يشرط على أحد في عقد الشركة بل تبرع به المستقرض ، فيجوز لصاحب الدرهم الواحد أن يأخذ من الربح بقدر ما شرط من نصف أو أكثر أو أقل وإن لم يكن عاملا ، ويؤيد هذا التوفيق ما ذكره في البحر قبيل كتاب الكفالة في بحث ما لا يبطل بالشرط الفاسد ، حيث قال ما نصه : قوله والشركة بأن قال شاركتك على أن تهديني كذا ، ومن هذا القبيل ما في شركة البزازية لو شرطا العمل على أكثرهما مالا والربح بينهما نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما أثلاثا . ا هـ .

وقد وقعت حادثة توهم بعض حنفية العصر أنها من هذا القبيل وليس كذلك ، هي تفاضلا في المال وشرطا الربح بينهما نصفين ثم تبرع أفضلهما مالا بالعمل : فأجبت بأن الشرط صحيح لعدم اشتراط العمل على أكثرهما [ ص: 313 ] مالا والتبرع ليس من قبيل الشرط .

والدليل عليه ما في بيوع الذخيرة : اشترى حطبا في قرية شراء صحيحا وقال موصولا بالشراء من غير شرط في الشراء حمله إلى منزلي لا يفسد العقد ; لأن هذا ليس بشرط في البيع ، بل هو كلام مبتدأ بعد تمام البيع فلا يوجب فساده ا هـ هذا كلام صاحب البحر وهو صريح فيما ذكرناه من التوفيق ، والله تعالى الموفق .

وبقي ما يقع كثيرا ، وهو أن يدفع رجل إلى آخر ألفا يقرضه نصفها ويشاركه على ذلك على أن الربح ثلثاه للدافع وثلثه للمستقرض فهنا تساويا في المال دون الربح وهي صورة العكس .

وصريح ما مر عن الزيلعي والكمال أنه لا يصح للدافع أخذ أكثر من نصف الربح إلا إذا كان هو العامل ، فلو كان العامل هو المستقرض كما هو العادة كان له نصف الربح بقدر ماله ، لكنه محمول على ما إذا شرط العمل عليه وإن لم يشرط صح التفاضل كما علمت من التوفيق .

ومما يكثر وقوعه أيضا أنه يكون لأحدهما ألف فيدفع له آخر ألفين ليعمل بالكل ويشرطا الربح أثلاثا ، وهذا جائز أيضا حيث كان الربح بقدر رأس المال كما مر في عبارة النهر ، فلو شرطا الربح أرباعا مع اشتراط العمل لم يصح كما يفيده التقييد بكونه بقدر رأس مالهما ، ومثله قول الظهيرية ، وإن اشترطا الربح على قدر رأس مالهما أثلاثا والعمل من أحدهما كان جائزا .

[ تنبيه ] علم مما مر أن العمل لو كان مشروطا وعليهما لا يلزم اجتماعهما عليه كما هو صريح قوله وإن عمل أحدهما فقط ، ولذا قال في البزازية : اشتركا وعمل أحدهما في غيبة الآخر فلما حضر أعطاه حصته ثم غاب الآخر وعمل الآخر فلما حضر الغائب أبى أن يعطيه حصته من الربح ، إن كان الشرط أن يعملا جميعا وشتى فما كان من تجارتهما من الربح فبينهما على الشرط عملا أو عمل أحدهما ، فإن مرض أحدهما ولم يعمل وعمل الآخر فهو بينهما . ا هـ .

والظاهر أن عدم العمل من أحدهما لا فرق أن يكون بعذر أو بدونه كما صرح بمثله في البزازية في شركة التقبل معللا بأن العقد لا يرتفع امتناعه واستحقاقه الربح بحكم الشرط في العقد لا العمل ا هـ ولا يخفى أن العلة جارية هنا . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث