الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء دماؤكم وأموالكم عليكم حرام

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء دماؤكم وأموالكم عليكم حرام

2159 حدثنا هناد حدثنا أبو الأحوص عن شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع للناس أي يوم هذا قالوا يوم الحج الأكبر قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ألا لا يجني جان إلا على نفسه ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده ألا وإن الشيطان قد أيس من أن يعبد في بلادكم هذه أبدا ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به قال أبو عيسى وفي الباب عن أبي بكرة وابن عباس وجابر وحذيم بن عمرو السعدي وهذا حديث حسن صحيح وروى زائدة عن شبيب بن غرقدة نحوه ولا نعرفه إلا من حديث شبيب بن غرقدة [ ص: 313 ]

التالي السابق


[ ص: 313 ] قوله : ( عن شبيب بن غرقدة ) بمعجمة وقاف ثقة من الرابعة ( عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ) الجشمي الكوفي مقبول من الثالثة ( عن أبيه ) أي عمرو بن الأحوص الجشمي ، قال الحافظ : صحابي له حديث في حجة الوداع .

قوله : ( يقول في حجة الوداع ) أي يوم النحر والوداع بفتح الواو مصدر ودع توديعا كسلم سلاما وكلم كلاما ، وقيل بكسر الواو فيكون مصدر الموادعة ، وهو إما لوداعه الناس أو الحرم في تلك الحجة ، وهي بفتح الحاء وكسرها ، قال الشمني : لم يسمع في حاء ذي الحجة إلا الكسر ، قال صاحب الصحاح : الحجة المرة الواحدة ، وهو من الشواذ ; لأن القياس الفتح ( أي يوم هذا ؟ قالوا يوم الحج الأكبر ) قال تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس أي إعلام يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله قال البيضاوي : أي يوم العيد لأن فيه تمام الحج ، ومعظم أفعاله ، ولأن الإعلام كان فيه ، ولما روي أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال : هذا يوم الحج الأكبر ، وقيل يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام : الحج عرفة .

ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله ، فإنه أكبر من باقي الأعمال ، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون ، ووافق عيده أعياد أهل الكتاب ، أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين انتهى ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : هو يوم عرفة إذ من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ثم قولهم يوم الحج الأكبر بظاهره ينافي جوابهم السابق والله ورسوله أعلم ، يعني في حديث أبي بكرة ، ولعل هذا في يوم آخر من أيام النحر أو أحد الجوابين صدر عن بعضهم كذا في المرقاة .

( قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم ) أي تعرضكم لبعضكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، والعرض بالكسر : موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه ( بينكم ) احتراز عن الحقوق الشرعية ( حرام ) أي محرم ممنوع ( كحرمة يومكم هذا ) يعني تعرض بعضكم لدماء بعض وأمواله وأعراضه في غير [ ص: 314 ] هذه الأيام كحرمة التعرض لها في هذا اليوم ( في بلدكم ) أي مكة أو الحرم المحترم ( هذا ) ولعل ترك الشهر اقتصار من الراوي ، وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء ; لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال ( ألا ) للتنبيه ( لا يجني جان إلا على نفسه ) قال في النهاية : الجناية الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة ، المعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده ، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر كقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى انتهى .

( ألا ) للتنبيه ( لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده ) يحتمل أن يكون المراد النهي عن الجناية عليه لاختصاصها بمزيد قبح وأن يكون المراد تأكيد لا يجني جان إلا على نفسه ، فإن عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته والحاصل أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر ، والأظهر أن هذا نفي ، فيوافق قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى وإنما خص الولد والوالد لأنهما أقرب الأقارب ، فإذا لم يؤاخذا بفعلهما ، فغيرهما أولى ، وفي رواية لا يؤخذ الرجل بجريمة أبيه ، وضبط بالوجهين .

( ألا وإن الشيطان ) وهو إبليس الرئيس أو الجنس الخسيس ( قد أيس ) أي قنط ( أن يعبد ) قال القاري : أي من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى ، لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار انتهى ، وقيل معناه : إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ولا يرد على هذا مثل أصحاب مسلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتد لأنهم لم يعبدوا الصنم ، ويحتمل معنى آخر وهو أنه أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن المصلين من أمتي لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى ، ولك أن تقول : معنى الحديث أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل ، ولا ينافيه ارتداد من ارتد بل لو عبد الأصنام أيضا لم يضر في المقصود فافهم ، كذا في اللمعات مع زيادة .

( في بلادكم هذه ) أي مكة وما حولها من جزيرة العرب ( ولكن ستكون له طاعة ) أي انقياد أو طاعة ( فيما تحقرون ) بتشديد القاف من التحقير ، وفي بعض النسخ تحتقرون ، قال في القاموس : الحقر الذلة كالحقرية بالضم الحقارة مثلثة والمحقرة والفعل كضرب وكرم والإذلال كالتحقير والاحتقار ، والاستحقار والفعل كضرب انتهى ، ( من أعمالكم ) أي دون الكفر من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر ( فسيرضى ) بصيغة المعلوم أي الشيطان ( به ) أي بالمحتقر حيث لم يحصل له الذنب الأكبر ولهذا ترى المعاصي من الكذب والخيانة ونحوهما توجد كثيرا في المسلمين وقليلا في [ ص: 315 ] الكافرين ، لأنه قد رضي من الكفار بالكفر ، فلا يوسوس لهم في الجزئيات وحيث لا يرضى عن المسلمين بالكفر فيرميهم في المعاصي ، وروي عن علي رضي الله عنه : الصلاة التي ليس لها وسوسة إنما هي صلاة اليهود والنصارى ومن الأمثال : لا يدخل اللص في بيت إلا فيه متاع نفيس .

قال الطيبي رحمه الله : قوله فيما تحتقرون أي مما يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب ، كقوله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم ، قوله : ( وفي الباب عن أبي بكرة وابن عباس وجابر وحذيم بن عمرو السعدي ) أما حديث أبي بكرة فأخرجه الشيخان ، وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري في باب الخطبة أيام منى .

وأما حديث جابر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، وأما حديث حذيم بن عمرو السعدي فأخرجه النسائي ، وهو بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح التحتانية ، والد زياد معدود في الصحابة ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم الحديث حديثا واحدا ، وعنه ابنه زياد ورقم عليه الحافظ علامة س .

قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه ابن ماجه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث