الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات

ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ارتقاء في التعريض إلى ضرب منه قريب من الصريح . وهو المسمى في الكناية بالإشارة . كانت مقالة الذين من قبل مماثلة لمقالة المخاطبين فإذا كانت هي سبب ما ذاقوه من الوبال فيوشك أن يذوق مماثلوهم في المقالة مثل ذلك الوبال .

فاسم الإشارة عائد إلى المذكور من الوبال والعذاب الأليم .

فهذا عد لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بينة من البينات لأنه معجزة .

[ ص: 269 ] والباء للسببية في موقع العلة . والضمير ضمير الشأن لقصد تهويل ما يفسر الضمير ، وهو جملة كانت تأتيهم رسلهم بالبينات إلى آخرها .

والاستفهام في ( أبشر ) استفهام إنكار وإبطال فهم أحالوا أن يكون بشر مثلهم يهدون بشرا أمثالهم ، وهذا من جهلهم بمراتب النفوس البشرية ومن يصطفيه الله منها ، ويخلقه مضطلعا بتبليغ رسالته إلى عباده . كما قال وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وجهلوا أنه لا يصلح لإرشاد الناس إلا من هو من نوعهم قال تعالى قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ولما أحالوا أن يكون البشر أهلا لهداية بشر مثله جعلوا ذلك كافيا في إعراضهم عن قبول القرآن والتدبر فيه .

والبشر : اسم جنس للإنسان يصدق على الواحد كما في قوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم ويقال على الجمع كما هنا . وتقدم في قوله وقلن حاش لله ما هذا بشرا في سورة يوسف وفي سورة مريم عند قوله فتمثل لها بشرا سويا .

وتنكير ( بشر ) للنوعية لأن محط الإنكار على كونهم يهدونهم ، وهو نوع البشرية .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوي حكم الإنكار ، وما قالوا ذلك حتى اعتقدوه فلذلك أقدموا على الكفر برسلهم إذ قد اعتقدوا استحالة إرسال الله إياهم فجزموا بكذبهم في دعوى الرسالة فلذلك فرع عليه ( فكفروا وتولوا ) .

والتولي أصله : الانصراف عن المكان الذي أنت فيه ، وهو هنا مستعار للإعراض عن قبول دعوة رسلهم ، وتقدم عند قوله تعالى ثم توليتم من بعد ذلك في سورة البقرة .

( واستغنى ) غني فالسين والتاء للمبالغة كقوله ( أما من استغنى ) . والمعنى : غني الله عن إيمانهم قال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم .

والواو واو الحال ، أي والحال أن الله غني عنهم من زمن مضى فإن غنى الله عن إيمانهم مقرر في الأزل .

[ ص: 270 ] ويجوز أن يراد : ( واستغنى الله ) عن إعادة دعوتهم لأن فيما أظهر لهم من البينات على أيدي رسلهم ما هو كاف لحصول التصديق بدعوة رسلهم لولا المكابرة فلذلك عجل لهم بالعذاب .

وعلى الوجهين فمتعلق ( استغنى ) محذوف دل عليه قوله ( فكفروا ) . وقوله ( بالبينات ) والتقدير : واستغنى الله عن إيمانهم .

وجملة ( والله غني حميد ) تذييل ، أي غني عن كل شيء فيما طلب منهم ، حميد لمن امتثل وشكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث