الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الخامس ذكر الخاص بعد العام

القسم الخامس ذكر الخاص بعد العام فيؤتى به معطوفا عليه بالواو للتنبيه على فضله ، حتى كأنه ليس من جنس العام ; تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات ، وعلى هذا بنى المتنبي قوله

فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

وابن الرومي أيضا حيث قال :

كم من أب قد علا بابن ذرا شرف     كما علت برسول الله عدنان

وحكى الشيخ أثير الدين عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول : " إن هذا العطف يسمى بالتجريد ، كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا " .

وله شرطان ذكرهما ابن مالك : أحدهما : كون العطف بالواو .

والثاني : كون المعطوف ذا [ ص: 44 ] مزية .

وحكى قولين في العام المذكور : هل يتناول الخاص المعطوف عليه ، أو لا يتناوله ؟ فعلى القول الأول يكون هذا نظير مسألة : " نعم الرجل زيد " على المشهور فيه ; وهو الظاهر من لفظ العام ، وعلى الثاني يكون عطف الخاص قرينة دالة على إرادة التخصيص في العام ، وأنه لم يتناوله ، وهو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك : " قام القوم إلا زيدا " من أن " زيدا " لم يدخل في القوم ، وقد يتقوى هذا بقوله :

يا حب ليلى لا تغير وازدد     وانم كما ينمو الخضاب في اليد

وإن كان هذا ليس من العطف العام .

وقد أشار الزمخشري إلى القولين في سورة الشعراء في قوله : في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ( الشعراء : 147 - 148 ) .

وقد يقال : آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان من جهة أن لفظ " جنات " وقع بلفظ التنكير ، ولم يعم الجنس ، وأما الآية السابقة فالإضافة تعم ، ولا ينبغي أن يجعل من هذا قوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان ( الرحمن : 68 ) أما على قول أبي حنيفة ومحمد فواضح ; لأنهما يقولان : إن النخل والرمان ليسا بفاكهة ، وأما على قول أبي يوسف فقوله : " فاكهة " مطلق وليس بعام .

ومن أمثلته قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ( البقرة : 238 ) على القول بأنها إحدى الصلوات الخمس .

[ ص: 45 ] قلنا : إن المراد غيرها كالوتر والضحى والعيد ، فليس من هذا الباب .

وقوله تعالى : والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ( الأعراف : 170 ) مع أن التمسك بالكتاب يشمل كل عبادة ، ومنها الصلاة ، لكن خصها بالذكر إظهارا لمرتبتها ; لكونها عماد الدين .

وقوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ( البقرة : 98 ) فإن عداوة الله راجعة إلى عداوة حزبه ، فيكون جبريل كالمذكور أربع مرات ، فإنه اندرج تحت عموم ملائكته ، وتحت عموم رسله ، ثم عموم حزبه ، ثم خصوصه بالتنصيص عليه .

ويجوز أن يكون عومل معاملة العدد ; فيكون الذكر ثلاثا ، وذكرهما بعد الملائكة مع كونهما من الجنس - دليل على قصد التنويه بشرفهما ، على أن التفصيل إن كان بسبب الإفراد فقد عدل للملائكة مثله بسبب الإضافة ، وقد يلحظ شرفهما على غيرهما .

وأيضا فالخلاف السابق في أن ذكر بعض أفراد العام بعد العام ; هل يدل على أنه لم يدخل في العام فرارا من التكرار أو يدخل .

وفائدته التوكيد ، وقد حكاه الروياني في " البحر " من كتاب الوصية ، وخرج عليه ما إذا أوصى لزيد بدينار وبثلث ماله للفقراء ، وزيد فقير ، فهل يجمع له بين ما أوصى لديه وبين شيء من الثلث على ما أراد الوصي ؟ وجهان ، والأصح أنه لا يعطى غير الدينار ; لأنه بالتقدير قطع اجتهاد الوصي .

[ ص: 46 ] قلت : والقول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني ، وعلى هذا القول فلا يحسن عد هذه الآية من هذا النوع .

وأيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان : هل يجعل الآخر معطوفا على الأول ؟ أو على ما يليه ؟ وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويز الأمرين .

فذكر في قوله تعالى : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ( الأنعام : 95 ) أن " مخرجا " معطوف على ( فالق ) لا على ( يخرج ) فرارا من عطف الاسم على الفعل ، وخالفه ابن مالك وأوله .

وذكر أيضا في قوله تعالى : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ( البقرة : 210 ) على هذه القراءة أنه معطوف على الله لأن قضاءه قديم .

وذكر أيضا في قوله تعالى : الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ( النساء : 1 ) حاصله أن قوله : يا أيها الناس إذا أريد به العموم كان قوله : وخلق منها زوجها عطفا على مقدر ; أي : أنشأها وأوجدها وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا يعني خلقكم من نفس هذه صفتها ، وإن أريد به المخاطبون بمكة كان قوله : ( وخلق ) عطفا على ( خلقكم ) وموجب ذلك الفرار من التكرار .

وعلى هذا فيجوز أن يكون " جبريل " معطوفا على لفظ الجلالة ، فلا تكون الآية من هذا النوع ولو سلمنا بعطفه على " رسله " فكذلك ; لكن الظاهر أن المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة ، فليسوا منه .

وفي الآية سؤالان : [ ص: 47 ] أحدهما : لم خص جبريل وميكائيل بالذكر ؟ الثاني : لم قدم جبريل عليه ؟ والجواب عن الأول : أنه سبحانه وتعالى خصهما بالحياة ; فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب ، وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان ، ولأنهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما .

وعن الثاني : أن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان ، ومن ثم قيل :

عليك بالنفس فاستكمل فضائلها     فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

ومنه قوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان ( الرحمن : 68 ) وغلط بعضهم من عد هذه الآية من هذا النوع من جهة أن " فاكهة " نكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها ، وهو غلط لأمرين : أحدهما : أنها في سياق الإثبات ، وهو مقتضى العموم ، كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري .

والثاني : أنه ليس المراد بالخاص والعام هاهنا المصطلح عليه في الأصول ، بل كل ما كان الأول فيه شاملا للثاني .

وهذا الجواب أحسن من الأول ; لعمومه بالنسبة إلى كل مجموع يشتمل على متعدد .

ولما لمح أبو حنيفة معنى العطف - وهو المغايرة - لم يحنث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان .

ومنه قوله تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ( آل عمران : 104 ) إذ الأمر والنهي من جملة الدعاء إلى الخير .

[ ص: 48 ] وقوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ( محمد : 2 ) والقصد تفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - وما نزل عليه ; إذ لا يتم الإيمان إلا به .

وقوله : ولهم فيها منافع ومشارب ( يس : 73 ) .

وقوله : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ( البقرة : 96 ) ففائدة قوله : ومن الذين أشركوا مع دخولهم في عموم الناس أن حرصهم على الحياة أشد لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث .

وقوله : الذين يؤمنون بالغيب ( البقرة : 3 ) فهذا عام وبالآخرة هم يوقنون ( البقرة : 4 ) وإن كان الإيمان بالغيب يشملها ، ولكن خصها لإنكار المشركين لها في قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ( الجاثية : 24 ) فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم .

وقوله : اقرأ باسم ربك الذي خلق ( العلق : 1 ) ، فعم بقوله : " خلق " جميع مخلوقاته ، ثم خص فقال : خلق الإنسان من علق ( العلق : 2 ) .

وقوله تعالى : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ( الأنعام : 145 ) فإنه عطف اللحم على الميتة ، مع دخوله في عموم الميتة ; لأن الميتة كل ما ليس له ذكاة شرعية ، والقصد به التنبيه على شدة التحريم فيه .

تنبيه ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو ، وقد سبق عن ابن مالك وآخرين مجيئه في " أو " في قوله : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ( النساء : 110 ) مع أن ظلم النفس من عمل السوء ; فقيل : هو بمعنى الواو ، والمعنى يظلم نفسه بذلك السوء حيث دساها بالمعصية .

وقوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ( الأنعام : 93 ) فإن الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء ، خص بالذكر تنبيها على مزيد العقاب فيه والإثم .

[ ص: 49 ] وقوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ( آل عمران : 135 ) مع أن فعل الفاحشة داخل فيه ، قيل : أريد به نوع من أنواع ظلم النفس ; وهو الربا ، أو كل كبيرة ، فخص بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه ; وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث