الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف

فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف .

تفريع على جميع ما تقدم من أحكام العدة معطوف على جملة ( وأحصوا العدة ) لأن إحصاءها بحفظ مدتها واستيعاب أيامها فإذا انتهت المدة فقد أعذر الله لهما والزيادة عليها إضرار بأحدهما أو بكليهما وفائدة الآجال الوقوف عند انتهائها .

وبلوغ الأجل أصله انتهاء المدة المقدرة له كما يؤذن به معنى البلوغ الذي هو الوصول إلى المطلوب على تشبيه الأجل المعين بالمكان المسير إليه وشاع ذلك في الاستعمال فالمجاز في لفظ الأجل وتبعه المجاز في البلوغ وقد استعمل البلوغ في هذه الآية في مقاربة ذلك الانتهاء مبالغة في عدم التسامح فيه وهذا الاستعمال مجاز آخر لمشابهة مقاربة الشيء بالحصول فيه والتلبس به .

وقرينة المجاز هنا هو لفظ الأجل لأنه لا تتصور المراجعة بعد بلوغ الأجل لأن في ذلك رفع معنى التأجيل .

ومنه قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف في سورة البقرة .

[ ص: 308 ] والإمساك : اعتزام المراجعة عبر عنه بالإمساك للإيماء إلى أن المطلقة الرجعية لها حكم الزوجة فيما عدا الاستمتاع فكأنه لما راجعها قد أمسكها أن لا تفارقه فكأنه لم يفارقها لأن الإمساك هو الضن بالشيء وعدم التفريط فيه ومنه قوله تعالى ( أمسك عليك زوجك ) وأنه إذا لم يراجعها فكأنه قد أعاد فراقها وقسا قلبه .

ومن أجل هذه النكتة جعل عدم الإمساك فراقا جديدا في قوله ( أو فارقوهن بمعروف ) .

والأمر في ( فأمسكوهن ) أو ( فارقوهن ) للإباحة ، و ( أو ) فيه للتخيير .

والباء في بمعروف للملابسة أي ملابسة كل من الإمساك والفراق للمعروف .

والمعروف : هو ما تعارفه الأزواج من حسن المعاملة في المعاشرة وفي الفراق .

فالمعروف في الإمساك : حسن اللقاء والاعتذار لها عما فرط والعود إلى حسن المعاشرة .

والمعروف في الفراق : كف اللسان عن غيبتها وإظهار الاستراحة منها .

والمعروف في الحالين من عمل الرجل لأنه هو المخاطب بالإمساك أو الفراق .

وأما المعروف الذي هو من عمل المرأة فمقرر من أدلة أخرى كقوله تعالى ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .

وتقديم الإمساك أعني المراجعة على إمضاء المفارقة إيماء إلى أنه أرضى لله تعالى وأوفق بمقاصد الشريعة مع ما تقدم من التعبير عن المراجعة بالإمساك ، ففهم أن المراجعة مندوب إليها لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق .

ولما قيد أمر الإباحة من قوله ( فأمسكوهن ) أو ( فارقوهن ) ، بقيد بالمعروف ، فهم منه أنه إن كان إمساك دون المعروف فهو غير مأذون فيه وهو الإمساك الذي كان يفعله أهل الجاهلية أن يطلق الرجل امرأته فإذا قاربت انتهاء عدتها راجعها أياما ثم طلقها بفعل ذلك ثلاثا ليطيل عليها من العدة فلا تتزوج عدة أشهر إضرارا بها .

وقد تقدم هذا عند قوله تعالى ( إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ) ، إلى قوله ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) في سورة البقرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث