الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد

جزء التالي صفحة
السابق

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون

"من" في قوله : وما من إله إلا إله واحد للاستغراق وهي القدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك : لا إله إلا الله والمعنى : وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ، وهو الله وحده لا شريك له ، و "من" في قوله : ليمسن الذين كفروا منهم : للبيان كالتي في قوله تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان [الحج : 30] فإن قلت : فهلا قيل : ليمسنهم عذاب أليم . قلت : في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله : لقد كفر الذين قالوا : وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير "والذين كفروا منهم" أنهم بمكان من الكفر ، والمعنى : ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة عذاب أليم أي : نوع شديد الألم من العذاب كما تقول : أعطني عشرين من الثياب ، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون ، ويجوز أن تكون للتبعيض ، على معنى : ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم ، لأن كثيرا منهم تابوا من النصرانية أفلا يتوبون : ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر ، وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه ، وفيه تعجيب من إصرارهم والله غفور رحيم يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم قد خلت من قبله الرسل صفة لـ “رسول" ، أي : ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها ، أن أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده ، فقد أحيا [ ص: 277 ] العصا وجعلها حية تسعى ، وفلق بها البحر ، وطمس على يد موسى . وإن خلقه من غير ذكر ، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وأمه صديقة أي : وما أمه أيضا إلا كصديقة كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين : أحدهما نبي ، والآخر صحابي . فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه . ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله : كانا يأكلان الطعام لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام كيف نبين لهم الآيات أي : الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم : أنى يؤفكون : كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله . فإن قلت : ما معنى التراخي في قوله : "ثم انظر"؟ قلت : معناه ما بين العجبين ، يعني أنه بين لهم الآيات بيانا عجيبا ، وأن إعراضهم عنها أعجب منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث