الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مطلب : في بيان الآفات الناشئة عن الشبع .

قال علماؤنا : وليس من السنة ترك أكل الطيبات . ولا بأس بالجمع بين طعامين ومن السرف أن تأكل كلما اشتهيت .

قال الإمام ابن الجوزي في تبصرته : الشبع يوجب ترهل البدن وتكاسله وكثرة النوم وبلادة الذهن ، وذلك بتكثير البخار في الرأس حتى يغطي موضع الفكر والذكر . ، والبطنة تذهب الفطنة وتجلب أمراضا عسرة ومقام العدل أن لا يأكل حتى تصد الشهوة وأن يرفع يده ، وهو يشتهي الطعام . ونهاية المقام الحسن قوله عليه الصلاة والسلام : { ثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس } .

والأكل على مقام العدل يصح البدن ويبعد المرض ويقلل النوم ويخفف المؤنة ويرقق القلب ويصفيه فتحسن فكرته وتسهل الحركات والتعبدات ويحصل الإيثار ، ثم نقل عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال : من ضبط بطنه ضبط دينه ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة ، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان ، والشبع يميت القلب ، ومنه يكون الفرح ، والمرح والضحك .

ثم أنشد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى رحمه الله تعالى ورضي عنه :

تجوع فإن الجوع يورث أهله مصادر بر خيرها الدهر دائم     ولا تك ذا بطن وعيب وشهوة
فتصبح في الدنيا وقلبك هائم

قال الإمام ابن الجوزي : وقد كان السلف يكرهون كثرة الألوان ; لأنها تدعو إلى كثرة الأكل وما زالوا يذمون الشبع ، ثم ذكر حديث أبي جحيفة وتجشيه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قيل لسمرة بن جندب : إن ابنك لم ينم الليلة قال : أبشما ؟ قيل بشما ، قال : لو مات لم أصل عليه ، وقد ذكرنا ذلك . قال : وعير رجل من قريش فقيل له : إن أباك مات بشما وماتت أمك بغرا فالبشم في الطعام ، والبغر في الماء .

قال ابن الجوزي : وقد تقلل [ ص: 117 ] جماعة من المتزهدين فضعفوا عن أداء الفرائض ، وذلك من أوامر الشيطان ، وإنما قد لا يجد الإنسان الحلال في وقت فيصبر ، وقد يؤثر . فأما الدوام على ما يضعف البدن ويوجب تنشف الرطوبات ويبس الدماغ فيخرج إلى الخيالات الفاسدة فذاك لا يفعله إلا الجهال ، وأما ترك الشهوات فقد اعتمده خلق من الصالحين ; لأنها توجب كثرة الأكل ولا يحتملها كسب الورع .

على أنه لا ينبغي أن يترك مطلقا إنما يترك ما يفعله أهل الترف من ألوان الأطعمة وإلا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى ، والعسل وأكل الدجاج . فأما أهل الغفلة فيأكلون شرها ولا ينظرون في حل المطعم ويتعدى أمرهم إلى شرب المسكر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم { : اجتنبوا أم الخبائث } .

وذكر عن محمد بن هشام النصيبي قال : كان عندنا رجل مسرف على نفسه يكنى أبا عمرو وكان يشرب الخمر فبينا هو كذلك انتبه ذات ليلة ، وهو فزع فقيل له : مالك ؟ فقال : أتاني آت في منامي هذا وردد علي هذا الكلام حتى حفظته ، وهو :

جد بك الأمر أبا عمرو     وأنت معكوف على الخمر
تشرب صهباء صراحية     سال بك السيل وما تدري

فلما أذن المؤذن مات فجأة ، ثم أنشد ابن الجوزي رحمه الله تعالى :

تلوم لما خلت أمامه     قلت لها لا ولا كرامه
كسرة خبز وقعب ماء     وسحق ثوب مع السلامه
خير من العيش في نعيم     يكون من بعده ندامه

ولو أخذنا نتكلم على الجوع وضده ، ومقبول ما قيل فيه ورده لمل الطبع .

وخرجنا عن الوضع لكن في الإشارة . ما يغني عن بسط العبارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث