الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم السابع عطف أحد المترادفين على الآخر

القسم السابع عطف أحد المترادفين على الآخر أو ما هو قريب منه في المعنى ، والقصد منه التأكيد [ ص: 50 ] وهذا إنما يجيء عند اختلاف اللفظ ; وإنما يحسن بالواو ، ويكون في الجمل كقوله : أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ( القيامة : 34 - 35 ) .

ويكثر في المفردات كقوله : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ( آل عمران : 146 ) .

وقوله : فلا يخاف ظلما ولا هضما ( طه : 112 ) ، لا تخاف دركا ولا تخشى ( طه : 77 ) .

وقوله : ثم عبس وبسر ( المدثر : 22 ) .

وقوله : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ( يوسف : 86 ) .

وقوله : لا تبقي ولا تذر ( المدثر : 28 ) .

وقوله : وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ( النساء : 171 ) .

وقوله : لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ( طه : 107 ) قال الخليل : العوج والأمت بمعنى واحد .

وقيل : الأمت أن يغلظ مكان ويرق مكان ، قاله ابن فارس في " المقاييس " ، وهو راجع لما قاله الخليل .

وقوله : أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ( الزخرف : 80 ) .

وقوله : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ( المائدة : 48 ) .

وقوله : إلا دعاء ونداء ( البقرة : 171 ) .

[ ص: 51 ] وفرق الراغب بين النداء والدعاء بأن النداء قد يقال إذا قيل " يا " أو " أيا " ونحوه ، من غير أن يضم إليه الاسم ، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم ; نحو : " يا فلان " .

وقوله : إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ( الأحزاب : 67 ) .

وقوله : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ( الأحزاب : 12 ) .

وقوله : لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فإن " نصب " مثل " لغب " وزنا ومعنى ومصدرا .

وقوله : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ( البقرة : 157 ) على قول من فسر الصلاة بالرحمة ، والأحسن خلافه ، وأن الصلاة للاعتناء وإظهار الشرف ، كما قاله الغزالي وغيره ، وهو قدر مشترك بين الرحمة والدعاء والاستغفار ، وعلى هذا فهو من عطف المتغايرين .

وقال الزمخشري في قوله تعالى : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ( البقرة : 4 ) إنهم هم المذكورون أولا ، وهو من عطف الصفة على الصفة .

واعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة تغاير الصفتين في المعنى ; تقول : " جاء زيد العالم والجواد والشجاع " أي : الجامع لهذه المعاني الثلاثة المتغايرة ، ولا تقول : " زيد العالم والعالم " فإنه تكرار ، والآية من ذلك ; لأن المعطوف عليه قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب ( البقرة : 3 ) والمعطوف قوله تعالى : والذين يؤمنون بما أنزل إليك ( البقرة : 4 ) ، والمنزل هو الغيب بعينه .

[ ص: 52 ] ويحتمل أن يقال : المعطوف عليه مطلق الغيب ، والمعطوف غيب خاص ، فيكون من عطف الخاص على العام .

وجعل منه بعضهم قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ( فاطر : 25 ) فإن المراد بالكتاب المنير هو الزبور ، ونقله عن إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت ، كما تعطف النعوت بعضها على بعض ; وهذا يرده تكرار الباء فإنه يشعر بالفصل ; لأن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الأول والثاني ، وعدم التجوز في عطف الشيء على نفسه .

والذي يظهر أنه للتأسيس ; وبيانه وجوه : أحدها : أن قوله تعالى : جاءتهم يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى الذين من قبلهم فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلا في المرسلين المذكورين والكتاب المنير هو القرآن ، وقوله تعالى : ثم أخذت الذين كفروا ( فاطر : 26 ) معطوف على قوله تعالى : فقد كذب الذين من قبلهم أي : كذبوا ، ثم أخذتهم بقيام الحجة عليهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ( فاطر : 25 ) وجاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف ; اعتراضا للاهتمام به ، وهو من أدق وجوه البلاغة ، ومثله في آية آل عمران قوله تعالى : فقد كذب رسل من قبلك ( آل عمران : 184 ) وقوله : ( جاءوا ) انصراف من الخطاب إلى الغيبة ، كأنه قال : " جاء هؤلاء المذكورون " فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلا في الضمير ، وهو في موضع " جئتم بالبينات " فأقام الإخبار عن الغائب مقام المخاطب ، كقوله تعالى : ( جرين بهم ) [ ص: 53 ] ( يونس : 22 ) وفيه وجه من التعجب ; كأن المخاطب إذا استعظم الأمر رجع إلى الغيبة ; ليعم الإخبار به جميع الناس ، وهذا موجود في الآيتين .

والثاني : أن يكون على حذف مضاف ; كأنه قيل : " الكتاب المنير " يعني القرآن فيكون مثل قوله : ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ( الصف : 6 ) وهذا وجه حسن .

تنبيهات الأول : أنكر المبرد هذا النوع ، ومنع عطف الشيء على مثله ; إذ لا فائدة فيه ، وأول ما سبق باختلاف المعنيين ; ولعله ممن ينكر أصل الترادف في اللغة كالعسكري وغيره .

الثاني : ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور ، وقال ابن مالك : وقد أنيبت " أو " عنها ، كما في قوله تعالى : نشوزا أو إعراضا ( النساء : 128 ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ( النساء : 112 ) .

قال شيخنا : وفيه نظر ; لإمكان أن يراد بالخطيئة ما وقع خطأ ، وبالإثم ما وقع عمدا قلت : ويدل له قوله تعالى قبل ذلك : ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ( النساء : 111 ) .

وجعل منه بعضهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، [ ص: 54 ] أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك .

قلت : ما ذكره ابن مالك قد سبقه به ثعلب ، فيما حكاه ابن سيده في " المحكم " ; فقال ثعلب في قوله تعالى : عذرا أو نذرا ( المرسلات : 6 ) : العذر والنذر واحد .

قال اللحياني وبعضهم : يثقل .

وعن الفراء : أنه يجرى في العطف بثم ، وجعل منه قوله : ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ( هود : 52 ) قال : معناه : وتوبوا إليه ; لأن التوبة الاستغفار .

وذكر بعضهم أنه قد تجرد عن العطف ، وجعل منه قوله تعالى : وغرابيب سود ( فاطر : 27 ) والغرابيب هي السود سبلا فجاجا ( نوح : 20 ) الرحمن الرحيم ( الفاتحة : 3 ) وغير ذلك .

الثالث : مما يدفع وهم التكرار في مثل هذا النوع ، أن يعتقد أن مجموع المترادفين [ ص: 55 ] يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما ، فإن التركيب يحدث معنى زائدا ، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث