الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم

أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم .

هذه الجملة وما ألحق بها من الجمل إلى قوله ( وكأين من قرية عتت ) إلخ .

تشريع مستأنف فيه بيان لما أجمل في الآيات السابقة من قوله ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) وقوله ( أو فارقوهن بمعروف ) ، وقوله ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فتتنزل هذه الجمل من اللاتي قبلها منزلة البيان لبعض ، ويدل الاشتمال لبعض وكل ذلك مقتضى للفصل . وابتدئ ببيان ما في ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) من إجمال .

والضمير المنصوب في ( أسكنوهن ) عائد إلى النساء المطلقات في قوله ( إذا طلقتم ) . وليس فيما تقدم من الكلام ما يصلح لأن يعود عليه هذا الضمير إلا لفظ النساء وإلا لفظ ( أولات الأحمال ) ، ولكن لم يقل أحد بأن الإسكان خاص بالمعتدات الحوامل فإنه ينافي قوله تعالى ( لا تخرجوهن ) فتعين عود الضمير إلى النساء المطلقات كلهن ، وبذلك يشمل المطلقة الرجعية والبائنة والحامل ، لما علمته في أول السورة من إرادة الرجعية والبائنة من لفظ ( إذا طلقتم النساء ) .

وجمهور أهل العلم قائلون بوجوب السكنى لهن جميعا . قال أشهب : قال مالك يخرج عنها إذا طلقها وتبقى هي في المنزل . وروى ابن نافع قال مالك : فأما التي لم تبن فإنها زوجة يتوارثان والسكنى لهن لازمة لأزواجهن اهـ . يريد أنها مستغنى عن أخذ حكم سكناها من هذه الآية . ولا يريد أنها مستثناة من حكم الآية . وقال قتادة وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل : لا سكنى للمطلقة طلاقا بائنا . ومتمسكهم في ذلك ما روته فاطمة بنت قيس : أن زوجها طلقها ثلاثا وأن أخا زوجها منعها من السكنى والنفقة ، وأنها رفعت أمرها إلى [ ص: 326 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لها : إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة . وهو حديث غريب لم يعرفه أحد إلا من رواية فاطمة بنت قيس . ولم يقبله عمر بن الخطاب . فقال : لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أو شبه عليها . وأنكرته عائشة على فاطمة بنت قيس فيما ذكرته من أنه أذن لها في الانتقال إلى مكان غير الذي طلقت فيه كما تقدم .

وروي أن عمر روى عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن للمطلقة البائنة سكنى . ورووا أن قتادة وابن أبي ليلى أخذا بقوله تعالى ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) إذ الأمر هو المراجعة ، فقصرا الطلاق في قوله ( إذا طلقتم النساء ) ، على الطلاق الرجعي لأن البائن لا تترقب بعده مراجعة وسبقها إلى هذا المأخذ فاطمة بنت قيس المذكورة .

روى مسلم أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن الحديث فحدثته فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من المرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا عليها الناس فبلغ قول مروان فاطمة بنت قيس فقالت : بيني وبينكم القرآن ، قال الله عز وجل ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) ، إلى قوله ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) . قالت : هذا لمن كانت له رجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث اهـ .

ويرد على ذلك أن إحداث الأمر ليس قاصرا على المراجعة فإن من الأمر الذي يحدثه الله أن يرقق قلوبهما فيرغبا معا في إعادة المعاشرة بعقد جديد . وعلى تسليم اقتصار ذلك على إحداث أمر المراجعة فذكر هذه الحكمة لا يقتضي تخصيص عموم اللفظ الذي قبلها إذ يكفي أن تكون حكمة لبعض أحوال العام . فالصواب أن حق السكنى للمطلقات كلهن ، وهو قول جمهور العلماء .

وقوله ( من حيث سكنتم ) ، أي في البيوت التي تسكنونها ، أي لا يكلف المطلق بمكان للمطلقة غير بيته ولا يمنعها السكنى ببيته . وهذا تأكيد لقوله ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) .

[ ص: 327 ] فإذا كان المسكن لا يسع مبيتين متفرقين خرج المطلق منه وبقيت المطلقة ، كما تقدم فيما رواه أشهب عن مالك .

و ( من ) الواقعة في قوله ( من حيث سكنتم ) للتبعيض ، أي في بعض ما سكنتم ويؤخذ منه أن المسكن صالح للتبعيض بحسب عرف السكنى مع تجنب التقارب في المبيت إن كانت غير رجعية ، فيؤخذ منه أنه إن لم يسعهما خرج الزوج المطلق .

و ( من ) في قوله ( من وجدكم ) بدل مطابق ، وهو بيان لقوله ( من حيث سكنتم ) فإن مسكن المرء هو وجده الذي وجده غالبا لمن لم يكن مقترا على نفسه .

والوجد : مثلث الواو هو الوسع والطاقة . وقرأه الجمهور بضم الواو . وقرأه روح عن يعقوب بكسرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث