الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 421 ] كتاب الحوالة بفتح الحاء أفصح من كسرها من التحول والانتقال .

وفي الشرع : عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة ، وقد تطلق على انتقاله من ذمة إلى أخرى .

والأصل فيها قبل الإجماع ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم { مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع } وتفسره رواية البيهقي { وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل } ويؤخذ منه صراحة ما في الخبر في الحوالة ; إذ هو رديفها ، وهي بيع دين بدين جوز للحاجة لأن كلا ملك بها ما لم يملكه قبل ، فكأن المحيل باع المحتال ماله في ذمة المحال عليه بما للمحتال في ذمته : أي الغالب عليها ، ومقتضى كونها [ ص: 422 ] بيعا صحة الإقالة فيها ، وهو ما أفتى به البلقيني أخذا من كلام الخوارزمي ، وهو مردود بتصريح الرافعي أول الفلس في أثناء تعليل بامتناعها فيها ، وجرى عليه المتولي والقمولي والسبكي ومقتضاه أيضا اشتراط إسنادها لجملة المخاطب كما مر نظيره في البيع ولو لمحجوره مثلا كأحلتك لابنتك على ذمتك بما وجب لها علي فيما لو طلقها على مبلغ في ذمته مثلا ، بخلاف أحلت ابنتك بكذا إلى آخره ك بعت موكلك ، ويعتبر لصحة الحوالة على أبيها أو غيره وجود مصلحتها فيها ، والعلم بقدر ما لزمه لها بها .

ولها أركان محيل ومحتال ومحال عليه ودين للمحيل على المحال عليه وللمحتال على المحيل وإيجاب وقبول ، كأحلتك على فلان بكذا وإن لم يقل بالدين الذي لك علي ولم ينوه فهو صريح كما اقتضاه كلامهم خلافا للبلقيني ومن تبعه ، ولا يعارضه ما يأتي آخر الباب من تصديق نافي إرادة الحوالة ; لأنه صريح يقبل الصرف ، ولا يتعين لفظ الحوالة بل يكفي ما يؤدي معناها ك نقلت حقك إلى فلان أو جعلت ما أستحقه على فلان لك أو ملكتك الدين الذي عليه بحقك ، ولو قال : أحلني فكقوله : بعني ولا تنعقد بلفظ البيع ، ولو نواها [ ص: 423 ] على الأصح خلافا لبعضهم إذ الاعتبار في العقود باللفظ لا بالمعنى ( يشترط لها ) أي لصحتها ( رضا المحيل ) لأن له إيفاء الحق من حيث شاء لكونه مرسلا في ذمته ، فلم يتعين لقضائه محل معين ( والمحتال ) ; لأن حقه في ذمته فلا ينتقل لغيره بغير رضاه لتفاوت الذمم ، والخبر المذكور للاستحباب ، وصرفه عن الوجوب القياس على سائر المعاوضات ويعتبر لاستحباب قبولها كما بحثه الأذرعي أن تكون على مليء وفي ، وكون ماله طيبا ليخرج المماطل ، ومن في ماله شبهة

ومراده بالرضا ما مر من الصيغة وتنبيها على عدم وجوبها على المحتال وتوطئة لقوله ( لا المحال عليه في الأصح ) فلا يعتبر رضاه ; لأنه محل الحق والتصرف كالرقيق المبيع ، ولأن الحق للمحيل فلم يتعين استيفاؤه بنفسه كما له أن يوكل والثاني يشترط رضاه بناء على أنها استيفاء

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 421 ] كتاب الحوالة ( قوله : من التحول ) أي هي في اللغة مأخوذة من التحول إلخ ( قوله : والانتقال ) عطف تفسير ( قوله : وقد تطلق على انتقاله ) أي الذي هو أثر العقد المذكور ، وهذا المعنى الثاني هو الذي يرد عليه الفسخ والانفساخ ( قوله على مليء ) ع هو بالهمز مأخوذ من الامتلاء صرح بذلك الأزهري في شرحه ألفاظ مختصر المزني ونبه على أن المطل إطالة المدافعة ا هـ .

ومنه يستفاد أن المحكوم عليه في الحديث بالظلم من اتصف بهذا لا من امتنع مرة أو مرتين ، وإن كان عاصيا فلا يفسق بذلك ا هـ سم على منهج .

وعبارة الزيادي : فأما المدافعة مرة واحدة فلم تدخل في الحديث حتى يستدل به على أنها فسق ، وإن كانت معصية .

ومفهومها أن المرتين داخلتان في الحديث فتأمل .

والظاهر أن هذا المفهوم غير مراد كما أفاده كلام سم السابق ، هذا وينبغي أن مثل تكرر المطالبة بالفعل ما لو دلت قرينة على تكرر الطلب من الدائن ، وهذا كله في دين المعاملة أما دين الإتلاف فيجب دفعه فورا من غير طلب ، وقوله فلا يفسق بذلك مفهومه أنه إذا تكرر الامتناع ثلاث مرات فسق ، ومحله إن لم تغلب طاعاته على معاصيه ; لأن مجرد الامتناع صغيرة ، هذا وقد قال حج : ويؤخذ من قوله { مطل الغني ظلم } أنه كبيرة لأنه جعله ظلما فهو كالغصب فيفسق بمرة منه ، قاله السبكي مخالفا للمصنف في اشتراطه تكرره نقلا عن مقتضى مذهبنا إلى آخر ما ذكره ( قوله فليتبع ) بتشديد التاء أو سكونها ا هـ حج ( قوله : صراحة ما في الخبر ) وهو الاتباع كأن يقول العارف بمدلول اللفظ أتبعك على فلان بما لك علي من الدين ( قوله : بدين ) أي فلا بد لصلحتها من الإيجاب والقبول ، ولا بد في الإيجاب أن لا يكون بلفظ البيع كما يأتي .

وقياسه أن لا يكون القبول بلفظ الشراء ، فلو قال اشتريت ما لك على زيد من الدين بما لي عليك لم يصح ، وإن نوى به الحوالة ( قوله جوز ) ولهذا لم يعتبر التقابض في المجلس وإن كان الدينان [ ص: 422 ] ربويين ا هـ سم على منهج .

قال ع : وإنما امتنعت الزيادة والنقصان ; لأنه ليس عقد مماكسة ا هـ ( قوله : أخذا من كلام الخوارزمي ) عبارة سم على منهج : اعتمد طب عدم صحة الإقالة في الحوالة وهو منقول على جزم الرافعي ، وكذا اعتمده م ر في حاشيته على حج ما يوافق ما في الشرح من رد إفتاء البلقيني ( قوله : بامتناعها فيها ) معتمد ا هـ سم على حج ( قوله : في ذمته ) أي في ذمة أبيها فتجعل هذه طريقا فيما لو أراد ولي السفيهة اختلاعها على مؤخر صداقها حيث منعناه من ذلك لما فيه من التفويت عليها ، فالطريق أن يختلعها على قدر ما لها على الزوج في ذمته فيصير ذلك واجبا للزوج على الأب ، ودين المرأة باق بحاله ، فإذا أراد التخلص منه فعل ما ذكر فتكون المرأة محتالة بما لها على الزوج على أبيها ( قوله : والعلم ) أي ومنها العلم ( قوله : لزمه لها بها ) أي بالحوالة ، وعبارة حج : وشرط في صحة الحوالة على أبيها أو غيره أن تكون لها مصلحة في ذلك ، ومنها أن يعلم منه أنه يصرف عليها ما لزمه لها بالحوالة ا هـ .

فقول الشارح : والعلم إلخ من عطف الخاص على العام ، وعبارتهما صريحة في بطلان الحوالة إذا لم يعلم أنه يصرف ما يتحصل منها عليها لانتفاء المصلحة ، وهلا قيل بصحة الحوالة له ، ويأثم بعدم الصرف ; لأنه حيث ثبتت له الولاية عليها كان ما يحتال لها به عليه من جملة أموالها وعليه حفظها ومراعاتها ، وإنما ينعزل بارتكاب ما يوجب الانعزال ومجرد عدم العلم بصرفه ما ذكر لا يكون سببا للانعزال ، هذا وينبغي أن محل اشتراط ذلك إذا لم يكن الزوج يسيء عشرتها وتوقف خلاصه منه على البراءة فجعل الولي ذلك طريقا لإسقاط دينها عن الزوج .

[ فرع ] يقع الآن كثيرا أن الشخص يصير ما له على غيره لزيد مثلا ويحكم الحاكم بذلك ، وحكمه أنه عند الإطلاق يحمل على الحوالة ، فإن أريد خلاف ذلك أو علم إرادة خلاف ذلك لم يصح م ر ا هـ سم على منهج .

وقوله يحمل على الحوالة : أي فإن كان ثم دين باطنا صحت الحوالة ، وإلا فلا ( قوله : محيل ومحتال ) دخل في المحيل والمحتال حوالة الوالد على نفسه لولده وعلى ولده لنفسه وهو صحيح م ر سم على منهج ( قوله ومن تبعه ) أي حج فإنهم يقولون إنه كناية ( قوله : لأنه ) أي ما هنا ( قوله : فكقوله بعني ) أي فيكون استيجابا قائما مقام القبول ، ومثله ما لو قال احتل على فلان بما لك علي من الدين فقال : احتلت أو قبلت فيكون استقبالا قائما مقام الإيجاب

( قوله : ولو نواها ) [ ص: 423 ] غاية ( قوله : باللفظ ) أي غالبا

( قوله : لكونه ) أي المحال به

( قوله : مرسلا ) أي ثابتا في ذمة المحيل : أي غير متعلق بشيء بخصوصه

( قوله : والمحتال ) وشرطهما أهلية التبرع كسائر المعاوضات ا هـ حج .

وهو مأخوذ من كونها بيع دين بدين فلذلك لم يذكره الشارح ، ولعل المراد بأهلية التبرع إطلاق التصرف فإن المكاتب تصح حوالته والحوالة عليه بديون المعاملة مع أنه ليس أهلا للتبرع

( قوله : والخبر المذكور ) دفع به ما يقال اشتراط رضا المحتال ينافي ما دل عليه الحديث من وجوب القبول بقوله فليحتل فإن اللام للأمر ومقتضاه الوجوب ( قوله : لاستحباب قبولها ) أي الذي حمل عليه الحديث

( قوله : ومن في ماله شبهة ) أي إن سلم منها مال المحيل أو كانت الشبهة فيه أقل

( قوله : من الصيغة ) أي لا الرضا الباطني

( قوله : وتنبيها ) أي وذكره إلخ

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث