الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم التاسع وضع الظاهر موضع المضمر

القسم التاسع وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التقرير ; والعجب أن البيانيين لم يذكروه في أقسام الإطناب .

ومنه بيت " الكتاب " :

إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهرا

[ ص: 60 ] ولو أتى على وجهه لقال : " إذا الوحش ضمها " .

وإنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة ، فإن كان في جملتين مستقلتين كالبيت سهل الأمر ، لكن الجملتين فيه كالجملة الواحدة ; لأن الرافع للوحش الأول فعل محذوف كما يقول البصريون ، والفعل المذكور ساد مسد الفعل المحذوف حتى كأنه هو ; ولهذا لا يجتمعان ، وإن قدر رفع الوحش بالابتداء فالكلام جملة واحدة .

ويسهل عند اختلاف اللفظين كقوله :

إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت     حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا

فاختلاف لفظين ظاهرين أشبها لفظي الظاهر والمضمر في اختلاف اللفظ ; وعليه قوله تعالى : ومنهم الذين يؤذون النبي ( التوبة : 61 ) ثم قال : والذين يؤذون رسول الله ( التوبة : 61 ) ولم يقل : " يؤذونه " مع ما في ذلك من التعظيم ، فالجمع بين الوصفين كقوله في الحديث : نبيك الذي أرسلت ، وقوله : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ( البقرة : 106 ) الآية ; فإنه قد تكرر اسم الله ظاهرا في هذه الجمل الثلاث ، ولم يضمر ; لدلالته على استقلال كل جملة منها ، وأنها لم تحصل مرتبطة ببعضها ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار .

وقوله : والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان ( النساء : 76 ) وفيه دلالة على أن الطاغوت هو الشيطان ، وحسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره .

[ ص: 61 ] وقال ابن السيد : " إن كان في جملتين حسن الإظهار والإضمار ; لأن كل جملة تقوم بنفسها ; كقولك : " جاء زيد ، وزيد رجل فاضل " وإن شئت قلت : " وهو رجل فاضل " .

وقوله : مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته ( الأنعام : 124 ) ، وإن كان في جملة واحدة قبح الإظهار ، ولم يكد يوجد إلا في الشعر ، كقوله :

لا أرى الموت يسبق الموت شيء     نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

قال : وإذا اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم والتعجب كان المناسب الإظهار ، كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة ( الحاقة : 1 - 2 ) و القارعة ما القارعة ( القارعة : 1 - 2 ) والإضمار جائز ، كقوله تعالى : فأمه هاوية وما أدراك ما هيه ( القارعة : 9 ، 10 ) .

واعلم أن الأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة ، وأصل المحدث عنه كذلك ، والأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق ، كما أن الأصل في الأسماء الإعراب ، وفي الأفعال البناء ، وإذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب ; كقوله تعالى : فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ( العنكبوت : 17 ) .

وقوله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ( الشورى : 40 ) .

وقوله تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( النصر : 3 )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث