الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


135 - الحديث الثاني : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جاء منكم الجمعة فليغتسل } .

التالي السابق


الحديث صريح في الأمر بالغسل للجمعة . وظاهر الأمر : الوجوب . وقد جاء مصرحا به بلفظ الوجوب في حديث آخر . فقال بعض الناس بالوجوب ، بناء على الظاهر . وخالف الأكثرون ، فقالوا بالاستحباب . وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر . فأولوا صيغة الأمر على الندب ، وصيغة الوجوب على [ ص: 334 ] التأكيد ، كما يقال : حقك واجب علي . وهذا التأويل الثاني : أضعف من الأول . وإنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحا في الدلالة على هذا الظاهر . وأقوى ما عارضوا به حديث " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت . ومن اغتسل فالغسل أفضل " ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث ، وإن كان المشهور من سنده صحيحا على مذهب بعض أصحاب الحديث . وربما احتمل أيضا تأويلا مستكرها بعيدا ، كبعد تأويل لفظ " الوجوب " على التأكيد . وأما غير هذا الحديث من المعارضات المذكورة لما ذكرناه من دلائل الوجوب : فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب ، لقوة دلائل الوجوب عليه . وقد نص مالك على الوجوب . فحمله المخالفون - ممن لم يمارس مذهبه - على ظاهره . وحكي عنه أنه يروي الوجوب ولم ير ذلك أصحابه على ظاهره . وفي الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة . والمراد إرادة المجيء ، وقصد الشروع فيه . وقال مالك به . واشترط الاتصال بين الغسل والرواح ، وغيره لا يشترط ذلك . ولقد أبعد الظاهري إبعادا يكاد يكون مجزوما ببطلانه ، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة ، حتى اغتسل قبل الغروب كفى عنده ، تعلقا بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات وقد تبين من بعض الأحاديث : أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة . ويفهم منه : أن المقصود عدم تأذي الحاضرين . وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة . وكذلك أقول : لو قدمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم يعتد به . والمعنى إذا كان معلوما كالنص قطعا ، أو ظنا مقاربا للقطع : فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ . وقد كنا قررنا في مثل هذا قاعدة ، وهي انقسام الأحكام إلى أقسام :

منها : أن يكون أصل المعنى معقولا ، وتفصيله يحتمل التعبد . فإذا وقع مثل هذا فهو محل نظر . ومما يبطل مذهب الظاهري : أن الأحاديث التي علق فيها الأمر بالإتيان أو المجيء قد دلت على توجه الأمر إلى هذه الحالة . والأحاديث التي تدل على تعليق الأمر باليوم لا يتناول تعليقه بهذه الحالة . فهو إذا تمسك بتلك أبطل دلالة هذه [ ص: 335 ] الأحاديث على تعليق الأمر بهذه الحالة . وليس له ذلك . ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه الحالة فقد عملنا بهذه الأحاديث من غير إبطال لما استدل به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث