الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره

( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون )

[ ص: 101 ] ثم قال تعالى : ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون )

لما ذكر من العوارض التي للسماء والأرض بعضها ، ذكر من لوازمها البعض وهي قيامها ، فإن الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها ، وكون السماء يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد ، وهذا من اللوازم ، فإن الأرض لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه ، والسماء كذلك لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه ، فإن قيل إنها تتحرك في مكانها كالرحى ولكن اتفق العقلاء على أنها في مكانها لا تخرج عنه ، وهذه آية ظاهرة ; لأن كونهما في الموضع الذي هما فيه وعلى الموضع الذي هما عليه من الأمور الممكنة ، وكونهما في غير ذلك الموضع جائز ، فكان يمكن أن يخرجا منه فلما لم يخرجا كان ذلك ترجيحا للجائز على غيره ، وذلك لا يكون إلا بفاعل مختار ، والفلاسفة قالوا : كون الأرض في المكان الذي هي فيه طبيعي لها ; لأنها أثقل الأشياء ، والثقيل يطلب المركز ، والخفيف يطلب المحيط ، والسماء كونها في مكانها إن كانت ذات مكان فلذاتها فقيامهما فيهما بطبعهما ، فنقول : قد تقدم مرارا أن القول بالطبيعة باطل ، والذي نزيده هاهنا أنكم وافقتمونا بأن ما جاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر ، لكن مقعر الفلك لا يخالف محدبه في الطبع ، فيجوز حصول مقعره في موضع محدبه ، وذلك بالخروج والزوال ، فإذن الزوال عن المكان ممكن لا سيما على السماء الدنيا ، فإنها محددة الجهات على مذهبكم أيضا ، والأرض كانت تجوز عليها الحركة الدورية ، كما تقولون على السماء ، فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل مختار ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : ذكر الله من كل باب أمرين ، أما من الأنفس فقوله : ( خلق لكم ) استدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض في قوله : ( خلق السماوات والأرض ) ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ، ومن عوارضه المنام والابتغاء ، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض ; لأن الواحد يكفي لإقرار بالحق والثاني : يفيد الظن ، وقول الآخر يفيد تأكيده ؛ ولهذا قال إبراهيم - عليه السلام - : ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) [ البقرة : 260 ] .

المسألة الثانية : قوله : ( بأمره ) أي بقوله : ( قوما ) أو بإرادته قيامهما ، وذلك لأن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة ، وعندنا ليس كذلك ولكن النزاع في الأمر الذي للتكليف لا في الأمر الذي للتكوين ، فإنا لا ننازعهم في أن قوله : ( كن ) وكونوا ( يانار كوني ) [الأنبياء : 69] موافق للإرادة .

المسألة الثالثة : قال هاهنا : ( ومن آياته أن تقوم ) وقال قبله : ( ومن آياته يريكم ) ولم يقل أن يريكم ، وإن قال بعض المفسرين إن أن مضمرة هناك معناه من آياته ( أن يريكم ) ليصير كالمصدر بأن ، وذلك لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل ، وجعله مصدرا ; لأن المستقبل ينبئ عن التجدد ، وفي البرق لما كان ذلك من الأمور التي تتجدد في زمان دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ، ولم يذكر معه شيئا من الحروف المصدرية .

المسألة الرابعة : ذكر ستة دلائل ، وذكر في أربعة منها إن في ذلك لآيات ، ولم يذكر في الأول وهو قوله : ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ) ولا في الآخر وهو قوله : ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض ) أما في الأول فلأن قوله بعده : ( ومن آياته أن خلق لكم ) أيضا دليل الأنفس ، فخلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد ، [ ص: 102 ] على ما بينا ، غير أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير بالتكرير ، فإذا قال : ( إن في ذلك لآيات ) كان عائدا إليهما ، وأما في قيام السماء والأرض فنقول في الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين ، ولقوم يعقلون لظهورها ، فلما كان في أول الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر ، فلم يميز أحدا عن أحد في ذلك ، وذكر ما هو مدلوله وهو قدرته على الإعادة ، وقال : ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) وفيها مسائل :

المسألة الأولى : ما وجه العطف بثم ، وبم تعلق ثم ؟ فنقول معناه والله أعلم إنه تعالى إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات بعد ذلك يخبركم ، ويعلمكم أنه إذا قال للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء .

المسألة الثانية : قول القائل دعا فلان فلانا من الجبل يحتمل أن يكون الدعاء من الجبل ، كما يقول القائل يا فلان اصعد إلى الجبل ، فيقال دعاه من الجبل ، ويحتمل أن يكون المدعو يدعى من الجبل كما يقول القائل يا فلان انزل من الجبل ، فيقال دعاه من الجبل ، ولا يخفى على العاقل أن الدعاء لا يكون من الأرض إذا كان الداعي هو الله ، فالمدعو يدعى من الأرض يعني أنتم تكونون في الأرض فيدعوكم منها فتخرجون .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : ( إذا أنتم ) قد بينا أنه للمفاجأة يعني يكون ذلك بكن فيكون .

المسألة الرابعة : قال هاهنا إذا أنتم تخرجون ، وقال في خلق الإنسان أولا : ( ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) فنقول هناك يكون خلق وتقدير وتدريج وتراخ حتى يصير التراب قابلا للحياة ، فينفخ فيه روحه ، فإذا هو بشر ، وأما في الإعادة لا يكون تدريج وتراخ بل يكون نداء وخروج ، فلم يقل هاهنا ثم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث