الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر فتح الجزيرة وأرمينية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر فتح الجزيرة وأرمينية

وفي هذه السنة فتحت الجزيرة .

قد ذكرنا إرسال سعد العساكر إلى الجزيرة ، فخرج عياض بن غنم ومن معه ، فأرسل سهيل بن عدي إلى الرقة وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم ، حين سمعوا بأهل الكوفة ، فنزل عليهم فأقام يحاصرهم حتى صالحوه ، فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل وسط بين الجزيرة ، فقبل منهم وصالحهم ، وصاروا ذمة ، وخرج عبد الله بن عتبان على الموصل إلى نصيبين ، فلقوه بالصلح ، وصنعوا كصنع أهل الرقة ، فكتبوا إلى عياض فقبل منهم وعقد لهم . وخرج الوليد بن عقبة فقدم على عرب الجزيرة ، فنهض معه مسلمهم وكافرهم ، إلا إياد بن نزار ، فإنهم دخلوا أرض الروم ، فكتب الوليد بذلك إلى عمر .

ولما أخذوا الرقة ونصيبين ضم عياض إليه سهيلا وعبد الله ، وسار بالناس إلى حران ، فلما وصل أجابه أهلها إلى الجزية فقبل منهم . ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبد الله إلى الرهاء فأجابوهما إلى الجزية ، وأجروا كل ما أخذوه من الجزيرة عنوة مجرى الذمة ، فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحا .

ورجع سهيل وعبد الله إلى الكوفة . وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من [ ص: 357 ] الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بن غنم إذا أخذ خالدا إلى المدينة ، فصرفه إليه ، فاستعمل حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها ، والوليد بن عقبة على عربها .

فلما قدم كتاب الوليد على عمر بمن دخل الروم من العرب كتب عمر إلى ملك الروم : بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك ، فوالله لتخرجنه إلينا أو لنخرجن النصارى إليك . فأخرجهم ملك الروم ، فخرج منهم أربعة آلاف وتفرق بقيتهم في ما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم ، فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف . وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من تغلب إلا الإسلام ، فكتب فيهم إلى عمر ، فكتب إليه عمر : إنما ذلك بجزيرة العرب لا يقبل منهم [ فيها ] إلا الإسلام ، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام . وكان في تغلب عز وامتناع ، فهم بهم الوليد فخاف عمر أن يسطو عليهم فعزله ، وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملي .

وقال ابن إسحاق : إن فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة ، وقال : إن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص : إذا فتح الله الشام والعراق فابعث جندا إلى الجزيرة وأمر عليه خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم . قال سعد : ما أخر أمير المؤمنين عياضا إلا لأن له فيه هوى وأنا موليه ، فبعثه وبعث معه جيشا فيه أبو موسى الأشعري ، وابنه عمر بن سعد ليس له من الأمر شيء ، فسار عياض ونزل بجنده على الرهاء ، فصالحه أهله مصالحة حران ، وبعث أبا موسى إلى نصيبين فافتتحها ، وسار عياض بنفسه إلى دارا فافتتحها ، ووجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فقاتل أهلها ، فاستشهد صفوان بن المعطل ، وصالح أهلها عثمان على الجزية . ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل .

فعلى هذا القول تكون الجزيرة من فتوح أهل العراق ، والأكثر على أنها من فتوح أهل الشام ، فإن أبا عبيدة سير عياض بن غنم إلى الجزيرة .

وقيل : إن أبا عبيدة لما توفي استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر بولايته حمص وقنسرين والجزيرة ، فسار إلى الجزيرة سنة ثماني عشرة للنصف من شعبان في خمسة آلاف وعلى ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ، وعلى ميسرته صفوان بن [ ص: 358 ] المعطل ، وعلى مقدمته هبيرة بن مسروق ، فانتهت طليعة عياض إلى الرقة ، فأغاروا على الفلاحين وحصروا المدينة ، وبث عياض السرايا فأتوه بالأسرى والأطعمة ، وكان حصرها ستة أيام ، فطلب أهلها الصلح ، فصالحهم على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم ، وقال عياض : الأرض لنا قد وطئناها وملكناها ، فأقرها في أيديهم على الخراج ووضع الجزية . ثم سار إلى حران فجعل عليها عسكرا يحصرها ، عليهم صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة ، وسار هو إلى الرهاء ، فقاتله أهلها ثم انهزموا وحصرهم المسلمون في مدينتهم ، فطلب أهلها الصلح فصالحهم ، وعاد إلى حران فوجد صفوان وحبيبا وقد غلبا على حصون وقرى من أعمال حران ، فصالحه أهلها على مثل صلح الرهاء .

وكان عياض يغزو ويعود إلى الرهاء ، وفتح سميساط ، وأتى سروج ورأس كيفا والأرض البيضاء ، فصالحه أهلها على صلح الرهاء . ثم إن أهل سميساط غدروا ، فرجع إليهم عياض فحاصرهم حتى فتحها ، ثم أتى قريات على الفرات ، وهي جسر منبج وما يليها ، ففتحها وسار إلى رأس عين ، وهي عين الوردة ، فامتنعت عليه وتركها وسار إلى تل موزن ، ففتحها على صلح الرهاء سنة تسع عشرة ، وسار إلى آمد فحصرها ، فقاتله أهلها ثم صالحوه على صلح الرهاء ، وفتح ميافارقين على مثل ذلك ، وكفرتوثا ، فسار إلى نصيبين فقاتله أهلها ثم صالحوه على مثل صلح الرهاء ، وفتح طور عبدين وحصن ماردين ، وقصد الموصل ففتح أحد الحصنين ، وقيل : لم يصل إليها ، وأتاه بطريق الزوزان فصالحه ، ثم سار إلى أرزن ففتحها ، ودخل الدرب فأجازه بدليس وبلغ خلاط فصالحه بطريقها ، وانتهى إلى العين الحامضة من أرمينية ، ثم عاد إلى الرقة ومضى إلى حمص فمات سنة عشرين .

واستعمل عمر سعيد بن حذيم ، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات ، فاستعمل عمير بن سعد الأنصاري ، ففتح رأس عين بعد قتال شديد .

وقيل : إن عياضا أرسل عمير بن سعد إلى رأس عين ففتحها بعد أن اشتد قتاله عليها .

[ ص: 359 ] وقيل : إن عمر أرسل أبا موسى الأشعري إلى رأس عين بعد وفاة عياض .

وقيل : إن خالد بن الوليد حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل حماما بآمد فاطلى بشيء فيه خمر فعزله عمر .

وقيل : إن خالدا لم يسر تحت لواء أحد غير أبي عبيدة . والله أعلم .

ولما فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة ، ثم نقض أهلها الصلح ، فلما ولي معاوية الشام والجزيرة وجه إليها حبيب بن مسلمة أيضا ففتحها عنوة ورتب فيها جندا من المسلمين مع عاملها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث