الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

450- وقال: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) لأنها جماعة "النشور" وتقول: "ريح نشور ورياح نشر". وقال بعضهم "نشرا" من "نشرها" "نشرا".

وقال في أول هذه السورة: (كتاب أنزل إليك) [2]: (لتنذر به) [2]: (فلا يكن في صدرك حرج منه) [2] هكذا تأويلها على التقديم والتأخير. وفي كتاب الله مثل ذلك كثير قال: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) والمعنى - والله أعلم - فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. وفي كتاب الله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) والمعنى - والله أعلم -: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وفي "حم المؤمن": (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) والمعنى - والله أعلم -: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات من العلم فرحوا بما عندهم. وقال بعضهم: فرحوا بما هو عندهم من العلم أي: كان عندهم العلم وهو جهل.

ومثل هذا في كلام العرب وفي الشعر كثير في التقديم والتأخير. يكتب الرجل: "أما بعد - حفظك الله - وعافاك فإني كتبت إليك" فقوله "فإني" محمول على "أما بعد" إنما هو "أما بعد فإني" وبينهما كما ترى كلام. قال الشاعر:

[ ص: 329 ]

(223) خير من القوم العصاة أميرهم يا قوم فاستحيوا النساء الجلس

والمعنى: خير من القوم العصاة أميرهم النساء الجلس يا قوم فاستحيوا. قال الآخر: [ جرير ]:


(224) الشمش طالعة ليست بكاسفة     تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

ومعناه: الشمس طالعة لم تكسف نجوم الليل والقمر؛ لحزنها على " عمر ". وذلك أن الشمس كلما طلعت كسفت القمر والنجوم فلم تترك لها ضوءا.

ومن معاني القرآن قول الله عز وجل: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) فليس المعنى: انكحوا ما قد سلف. وهذا لا يجوز في الكلام والمعنى - والله أعلم - "لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنكم تعذبون به إلا ما قد سلف فقد وضعه الله عنكم" وكذلك قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) ثم قال: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) والمعنى - والله أعلم - إنكم تؤخذون بذلك إلا ما قد سلف؛ فقد وضعه الله عنكم.

وقوله: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) ثم قال: (أو كالذي مر على قرية) فـ "الكاف" تزاد في الكلام. والمعنى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أو الذي مر على قرية. ومثلها في القرآن: (ليس كمثله شيء) والمعنى: ليس مثله شيء. لأنه ليس لله مثل. وقال الشاعر:


(225) فصيروا مثل كعصف مأكول

[ ص: 330 ] والمعنى: صيروا مثل عصف، والكاف زائدة. وقال الآخر: [ خطام المجاشعي ]:


(226) وصالبات ككما يؤثفين

إحدى الكافين زائدة.

وقوله: (بدلناهم جلودا غيرها) يعني غيرها في النضج؛ لأن الله عز وجل يجددها فيكون أشد للعذاب عليهم. وهي تلك الجلود بعينها التي عصت الله تعالى ولكن أذهب عنها النضج، كما يقول الرجل للرجل: "أنت اليوم غيرك أمس" وهو ذلك بعينه إلا أنه نقص منه شيء أو زاد فيه. وفي كتاب الله عز وجل: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) فيسأل السائل فيقول: كيف كانوا كاذبين ولم يعودوا بعد. إنما يكونون كاذبين إذا عادوا. وقد قلتم إنه لا يقال له كافر قبل أن يكفر إذا علم أنه كافر؟ وهذا يجوز أن يكون إنهم الكاذبون بعد اليوم كما يقول الرجل: "أنا قائم" وهو قاعد يريد "إني سأقوم" أو تقول: (إنهم لكاذبون) يعني ما وافوا به القيامة من كذبهم وكفرهم لأن الذين دخلوا النار كانوا كاذبين كافرين.

وقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) يقول: "تنظر في رزقها وما يأتيها من الله" كما يقول الرجل: "ما أنظر إلا إليك" ولو كان نظر البصر كما يقول بعض الناس كان في الآية التي بعدها بيان ذلك. ألا ترى أنه قال: (ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) ولم يقل: "ووجوه لا تنظر ولا ترى" وقوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) يدل "الظن" ها هنا على أن النظر ثم الثقة بالله وحسن اليقين ولا يدل على ما قالوا. وكيف يكون ذلك والله يقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) وقوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) يعني

[ ص: 331 ] ما تشاؤون من الخير شيئا إلا أن يشاء الله أن تشاؤوه.

وقوله: (إذا أخرج يده لم يكد يراها) حمل على المعنى وذلك أنه لا يراها وذلك أنك إذا قلت: "كاد يفعل إنما تعني قارب الفعل ولم يفعل فإذا قلت "لم يكد يفعل" كان المعنى أنه لم يقارب الفعل ولم يفعل على صحة الكلام وهكذا معنى هذه الآية. إلا أن اللغة قد أجازت: "لم يكد يفعل" في معنى: فعل بعد شدة، وليس هذا صحة الكلام؛ أنه إذا قال: "كاد يفعل" فإنما يعني: قارب الفعل. وإذا قال: "لم يكد يفعل" يقول: "لم يقارب الفعل" إلا أن اللغة جاءت على ما فسرت لك وليس هو على صحة الكلمة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث