الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة المؤمن .

( غافر )

بسم الله الرحمن الرحيم .

قال تعالى : ( حم ( 1 ) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ( 2 ) ) .

قوله تعالى : ( حم تنزيل الكتاب ) : هو مثل : ( الم تنزيل ) [ السجدة : 1 ، 2 ] .

قال تعالى : ( غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ( 3 ) ) .

قوله تعالى : ( غافر الذنب وقابل التوب ) : كلتاهما صفة لما قبله ، والإضافة محضة .

وأما ( شديد العقاب ) فنكرة ؛ لأن التقدير : شديد عقابه ؛ فيكون بدلا ؛ ولا يجوز أن يكون " شديد " بمعنى مشدد ، كما جاء أذين بمعنى مؤذن ؛ فتكون الإضافة محضة فيتعرف ، فيكون وصفا أيضا . وأما ( ذي الطول ) : فصفة أيضا . ( لا إله إلا هو ) : يجوز أن يكون صفة ، وأن يكون مستأنفا .

[ ص: 370 ] قال تعالى : ( وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ( 6 ) ) .

قوله تعالى : ( أنهم ) : هو مثل الذي في يونس .

قال تعالى : ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ( 7 ) ) .

قوله تعالى : ( الذين يحملون ) : مبتدأ ، و " يسبحون " : خبره .

( ربنا ) أي يقولون ، وهذا المحذوف حال . و ( رحمة وعلما ) : تمييز ، والأصل وسع كل شيء رحمتك وعلمك .

قال تعالى : ( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ( 8 ) ) .

قوله تعالى : ( ومن صلح ) : في موضع نصب عطفا على الضمير في " أدخلهم " أي وأدخل من صلح .

وقيل : هو عطف على الضمير في " وعدتهم " .

قال تعالى : ( إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ( 10 ) ) .

قوله تعالى : ( من مقتكم ) : هو مصدر مضاف إلى الفاعل . و ( أنفسكم ) : منصوب به . و " إذ " : ظرف لفعل محذوف ، تقديره : مقتكم إذ تدعون ؛ ولا يجوز أن يعمل فيه " مقت الله " لأنه مصدر قد أخبر عنه ، وهو قوله : أكبر من . ولا " مقتكم " لأنهم لم يمقتوا أنفسهم حين دعوا إلى الإيمان ، وإنما مقتوها في النار ، وعند ذلك لا يدعون إلى الإيمان .

قال تعالى : ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ( 12 ) ) .

قوله تعالى : ( وحده ) : هو مصدر في موضع الحال من الله ؛ أي دعي مفردا .

وقال يونس : ينتصب على الظرف ؛ تقديره : دعي حياله وحده ، وهو مصدر محذوف الزيادة ، والفعل منه أوحدته إيحادا .

قال تعالى : ( رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق ( 15 ) ) .

قوله تعالى : ( رفيع الدرجات ) : يجوز أن يكون التقدير : هو رفيع الدرجات ؛ فيكون " ذو " صفة ، و " يلقي " مستأنفا . وأن يكون مبتدأ ، والخبر ذو العرش ، أو يلقي [ ص: 371 ] و ( من أمره ) : يجوز أن يكون حالا من الروح ، وأن يكون متعلقا بـ " يلقي " .

قال تعالى : ( يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ( 17 ) ) قوله تعالى : ( يوم هم ) : " يوم " بدل من ( يوم التلاق ) : ويجوز أن يكون التقدير : اذكر يوم ، وأن يكون ظرفا للتلاقي . و " هم " مبتدأ ؛ و " بارزون " خبره ، والجملة في موضع جر بإضافة " يوم " إليها و ( لا يخفى ) : يجوز أن يكون خبرا آخر ، وأن يكون حالا من الضمير في " بارزون " وأن يكون مستأنفا . ( اليوم ) : ظرف ، والعامل فيه " لمن " أو ما يتعلق به الجار . وقيل : هو ظرف للملك . ( لله ) : أي : هو لله . وقيل : الوقف على الملك ، ثم استأنف فقال : هو اليوم لله الواحد ؛ أي استقر اليوم لله . و ( اليوم ) الآخر : ظرف لـ " تجزى " . و ( اليوم ) الأخير : خبر " لا " أي لا ظلم كائن اليوم .

قال تعالى : ( وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ( 18 ) ) .

( إذ ) بدل من يوم الآزفة .

و ( كاظمين ) : حال من القلوب ؛ لأن المراد أصحابها .

وقيل : هي حال من الضمير في " لدى " . وقيل : هي حال من الضمير في " أنذرهم " . ( ولا شفيع يطاع ) : " يطاع " في موضع جر صفة لشفيع على اللفظ ، أو في موضع رفع على الموضع .

قال تعالى : ( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ( 26 ) ) .

قوله تعالى : ( أو أن يظهر ) : هو في موضع نصب ؛ أي أخاف الأمرين .

ويقرأ " أو أن يظهر " أي أخاف أحدهما ، وأيهما وقع كان مخوفا .

[ ص: 372 ] قال تعالى : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ( 28 ) ) .

قوله تعالى : ( من آل فرعون ) : هو في موضع رفع نعتا لمؤمن .

وقيل : يتعلق بـ " يكتم " أي يكتمه من آل فرعون . ( أن يقول ) : أي لأن يقول .

( وقد جاءكم ) : الجملة حال .

قال تعالى : ( يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ( 29 ) ) .

قوله تعالى : ( ظاهرين ) : حال من ضمير الجمع في " لكم " .

و ( أريكم ) : متعد إلى مفعولين ، الثاني " ما أرى " وهو من الرأي الذي بمعنى الاعتقاد .

( سبيل الرشاد ) : الجمهور على التخفيف ، وهو اسم للمصدر ، إما الرشد أو الإرشاد ، وقرئ بتشديد الشين ، وهو الذين يكثر منه الإرشاد أو الرشد .

قال تعالى : ( ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ( 32 ) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ( 33 ) ) .

قوله تعالى : ( يوم التناد ) : الجمهور على التخفيف ؛ وقرأ ابن عباس رضي الله عنه بتشديد الدال ، وهو مصدر تناد القوم إذا تفرقوا ؛ أي يوم اختلاف مذاهب الناس .

و ( يوم تولون ) : بدل من اليوم الذي قبله . و ( ما لكم من الله ) : في موضع الحال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث