الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل في بيان رتب المصالح وهي ضربان : أحدهما مصلحة أوجبها الله عز وجل نظرا لعباده ، وهي متفاوتة الرتب منقسمة إلى الفاضل والأفضل والمتوسط بينهما . فأفضل المصالح ما كان شريفا في نفسه ، دافعا لأقبح المفاسد ، جالبا لأرجح المصالح ، وقد { سئل عليه السلام أي الأعمال أفضل ؟ فقال : إيمان بالله ، قيل ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل ثم أي ؟ قال : حج مبرور } .

جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح ، ودرئه لأقبح المفاسد ، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه ، ومصالحه ضربان : أحدهما عاجلة وهي إجراء أحكام الإسلام ، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال .

والثاني : آجلة وهو خلود الجنان ورضاء الرحمن . وجعل الجهاد تلو الإيمان ، لأنه ليس بشريف في نفسه ، وإنما وجب وجوب الوسائل - وفوائده ضربان أحدهما مصالحه ، وهي منقسمة إلى العاجل والآجل فأما مصالحه العاجلة فإعزاز الدين ، ومحق الكافرين ، وشفاء صدور المؤمنين من اغتنام أموالهم وتخميسها ، وإرقاق نسائهم وأطفالهم .

وأما مصالح الآجلة فالأجر العظيم قال الله تعالى : { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف [ ص: 55 ] نؤتيه أجرا عظيما } ، فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين ، والغالب أفضل من القتيل ، لأنه حصل مقاصد الجهاد ، وليس القتيل مثابا على القتل لأنه ليس من فعله ، وإنما يثاب على تعرضه للقتل في نصرة الدين .

الضرب الثاني : من فوائد الجهاد درؤه لمفاسد عاجلة وآجلة ، أما الآجلة فلأنه سبب لغفران الذنوب ، والغفران دافع لمفاسد العقاب .

وأما العاجلة فإنه يدرأ الكفر من صدور الكافرين إن قتلوا أو أسلموا خوفا من القتل ، وكذلك يدرأ استيلاء الكفار على قتل المسلمين وأخذ أموالهم وإرقاق حرمهم وأطفالهم ، وانتهاك حرمة الدين . وجعل الحج في الرتبة الثالثة لانحطاط مصالحه عن مصالح الجهاد وهو أيضا يجلب المصالح ويدرأ المفاسد .

أما جلبه للمصالح فلأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وأما درؤه للمفاسد فإنه يدرأ العقوبات بغفران الذنوب . قال صلى الله عليه وسلم : { من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه } ، ولا تزال رتب المصالح الواجبة التحصيل تتناقض إلى رتبة لو تناقضت لانتهينا إلى رتب المصالح المندوبات .

وكذلك تتفاوت رتب فرض الكفاية فيما تجلبه من مصلحة أو تدرؤه من مفسدة ، فقتال الدفع أفضل من قتال الطلب ، ودفع الصوال عن الأرواح والأبضاع أفضل من درئهم عن المنافع والأموال .

وكذلك تتفاوت رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاوت رتب المأمور به في المصالح والمنهي عنه في المفاسد .

الضرب الثاني : من رتب المصالح : ما ندب الله عباده إليه إصلاحا لهم ، وأعلى رتب مصالح الندب دون أدنى رتب مصالح الواجب ، وتتفاوت إلى أن تنتهي إلى مصلحة يسيرة لو فاتت لصادفنا مصالح المباح .

وكذلك مندوب الكفاية يتفاوت بتفاوت رتب مصالحه وفضائله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث