الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر غزوة فارس من البحرين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر غزوة فارس من البحرين

قيل : كان عمر يقول لما أخذت الأهواز وما يليها : وددت أن بيننا وبين فارس حبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا .

وقد كان العلاء بن الحضرمي على البحرين أيام أبي بكر ، فعزله عمر وجعل موضعه قدامة بن مظعون ، ثم عزل قدامة وأعاد العلاء يناوئ سعد بن أبي وقاص ، ففاز العلاء في قتال أهل الردة بالفضل ، فلما ظفر سعد بأهل القادسية وأزاح الأكاسرة جاء بأعظم مما فعله العلاء ، فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا ، ولم ينظر في الطاعة والمعصية ، وقد كان عمر نهاه عن الغزو في البحر ، ونهى غيره أيضا اتباعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وخوف الغرر . فندب العلاء الناس إلى فارس فأجابوه ، وفرقهم أجنادا ، على أحدها الجارود بن المعلى ، وعلى الآخر سوار بن همام ، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوي ، وخليد على جميع الناس ، وحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر ، فعبرت الجنود من البحرين إلى فارس ، فخرجوا إلى إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعليهم الهربذ ، فجالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم ، فقام خليد في الناس فخطبهم ثم قال : أما بعد فإن القوم لم يدعوكم إلى حربهم ، وإنما جئتم لمحاربتهم ، والسفن والأرض لمن غلب ، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك ثم صلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا [ ص: 362 ] بمكان يدعى طاوس فقتل سوار والجارود .

وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالة ففعلوا ، فقتل من أهل فارس مقتلة عظيمة ، ثم خرجوا يريدون البصرة ، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ، وأخذت الفرس منهم طرقهم فعسكروا وامتنعوا .

ولما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره بإنفاذ جند كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا ، وقال : فإني قد ألقي في روعي كذا وكذا نحو الذي كان ، وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه ، تأمير سعد عليه .

فشخص العلاء إلى سعد بمن معه ، وأرسل عتبة جيشا كثيفا في اثني عشر ألف مقاتل ، فيهم عاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هرثمة ، والأحنف بن قيس وغيرهم ، فخرجوا على البغال يجنبون الخيل ، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني عامر بن لؤي ، فسار بالناس وساحل بهم ، لا يعرض له أحد حتى التقى أبو سبرة وخليد ، بحيث أخذ عليهم الطريق عقيب وقعة طاوس ، وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم ، ومن شذ من غيرهم ، وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين ، فجمعوا أهل فارس عليهم فجاءوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس ، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم ، وعلى المشركين سهرك ، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين ، وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا ، وهي الغزوة التي شرفت فيها نابتة البصرة ، وكانوا أفضل نوابت الأمصار ، ثم انكفأوا بما أصابوا ، وكان عتبة كتب إليهم بالحث وقلة العرجة ، فرجعوا إلى البصرة سالمين .

ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له ، فلما قضى حجه استعفاه فأبى أن يعفيه ، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله ، فدعا الله ثم انصرف ، فمات في بطن نخلة فدفن ، وبلغ عمر موته ، فمر به زائرا لقبره وقال : أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم . وأثنى عليه خيرا ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين ، وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة بنت غزوان ، وكانت تحت عثمان بن عفان ، وكان حباب مولاه قد لزم شيمته فلم يختط ، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين من مفارقة سعد ، وذلك [ ص: 363 ] بعد أن استنفذ الجند الذين بفارس ونزولهم البصرة ، واستخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم بالبصرة ، فأقره عمر بقية السنة ، ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها ، فلم ينتقض عليه أحد ، ولم يحدث شيئا إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة . ثم استعمل أبا موسى على البصرة ، ثم صرف إلى الكوفة ، ثم استعمل عمر بن سراقة ، ثم صرف ابن سراقة إلى الكوفة من البصرة ، وصرف أبو موسى من الكوفة إلى البصرة ، فعمل عليها ثانية .

وقد تقدم ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة والاختلاف فيها سنة أربع عشرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث