الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة رجل صلى خلف الصف

جزء التالي صفحة
السابق

415 - مسألة : وأيما رجل صلى خلف الصف بطلت صلاته ، ولا يضر ذلك المرأة شيئا . وفرض على المأمومين تعديل الصفوف - الأول فالأول - والتراص فيها ، والمحاذاة بالمناكب ، والأرجل ، فإن كان نقص كان في آخرها ومن صلى وأمامه في الصف فرجة يمكنه سدها بنفسه فلم يفعل : بطلت صلاته ; فإن لم يجد في الصف مدخلا فليجتذب إلى نفسه رجلا يصلي معه ; فإن لم يقدر فليرجع ، ولا يصل وحده خلف الصف إلا أن يكون ممنوعا فيصلي وتجزئه حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة هو ابن معبد الأسدي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة } . [ ص: 373 ] وروينا من طريق جرير بن عبد الحميد عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف أن زياد بن أبي الجعد أخبره عن وابصة بن معبد { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة } . فقال قوم بآرائهم : لعله أمره بالإعادة لأمر غير ذلك لا نعرفه قال علي : وهذا باطل لأنه عليه السلام لم يكن ليدع بيان ذلك لو كان كما ادعوا ، وإذا جوزوا مثل هذا لم يعجز أحد لا يتقي الله عز وجل أن يقول إذا ذكر له حديث : لعله نقص منه شيء يبطل هذا الحكم الوارد فيه فكيف وقد حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان [ ص: 374 ] عن أبيه قال { قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه ، فقضى الصلاة فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف فوقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف ، فقال له : استقبل صلاتك ، فإنه لا صلاة للذي خلف الصف } . قال علي : ملازم ثقة . وثقه ابن أبي شيبة ، وابن نمير وغيرهما ، وعبد الله بن بدر ثقة مشهور وما نعلم أحدا عاب عبد الرحمن بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر ، وهذا ليس جرحة . ورواية هلال بن يساف حديث وابصة مرة عن زياد بن أبي الجعد ، ومرة عن عمرو بن راشد قوة للخبر ، وعمرو بن راشد ثقة ، وثقه أحمد بن حنبل وغيره . حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو الوليد هو الطيالسي - ثنا شعبة أنا عمرو بن مرة قال سمعت سالم بن أبي الجعد قال سمعت النعمان بن بشير يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم } . قال علي : هذا وعيد شديد . والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر . وبه نصا إلى شعبة : عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة } . [ ص: 375 ] قال علي : تسوية الصف إذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض ; لأن إقامة الصلاة فرض ; وما كان من الفرض فهو فرض . وبه إلى البخاري : ثنا أحمد بن أبي رجاء ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة بن قدامة ثنا حميد الطويل ثنا أنس بن مالك قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أقيموا صفوفكم وتراصوا ، فإني أراكم من وراء ظهري } . وروينا عن أنس أنه قال " كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه . قال علي : هذا إجماع منهم ، والآثار في هذا كثيرة جدا ; والصف الأول هو الذي يلي الإمام حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن حرب الواسطي ثنا [ ص: 376 ] عمرو بن الهيثم أبو قطن ثنا شعبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة } . قال علي : لا يمكن أن تكون القرعة إلا فيما لا يسع الجميع فيقع فيه التغاير والمضايقة ولو كان الصف الأول للمبادر بالمجيء - كما يقول من لا يحصل كلامه - لما كانت القرعة فيه إلا حماقة ; لأنه لا يمنع أحد من المبادرة بالمجيء حتى يحتاج فيه إلى قرعة حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا إسماعيل بن مسعود هو الجحدري - عن خالد بن الحارث ثنا سعيد هو ابن أبي عروبة - عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أتموا الصف الأول ثم الذي يليه ، فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر } . قال علي : شغب من أجاز صلاة المنفرد خلف الصف بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنس ، واليتيم خلفه ، والمرأة خلفهما وهذا لا حجة لهم فيه لأن حكم النساء خلف الرجال ، وإلا فعليهن من إقامة الصفوف إذا كثرن ما على الرجال لعموم الأمر بذلك ، ولا يجوز أن يترك حديث مصلى المرأة المذكورة لحديث وابصة ، ولا حديث وابصة لحديث مصلى المرأة ، فليس من ترك هذا لهذا بأولى ممن ترك ما أخذ هذا وأخذ بما ترك ، وكل هذا لا يجوز وشغبوا بحديث { ابن عباس وجابر إذ جاء كل منهما فوقف عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤتما به وحده فأدار عليه السلام كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه } ، قالوا : فقد صار جابر وابن عباس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الإدارة . [ ص: 377 ] قال علي : وهذا لا حجة فيه لهم ، لما ذكرنا من أنه لا يحل ضرب السنن بعضها ببعض . وهذا تلاعب بالدين وليت شعري ما الفرق بين من ترك حديث جابر وابن عباس لحديث وابصة ، وعلي بن شيبان وبين من ترك حديث وابصة ، وعلي لحديث جابر ، وابن عباس وهل هذا كله إلا باطل بحت ، وتحكم بلا برهان بل الحق في ذلك الأخذ بكل ذلك ، فكله حق ، ولا يحل خلافه ، فإدارة الإمام من صلى عن يساره إلى يمينه حق ، ولا تبطل بذلك الصلاة ، وبخلاف من صلى عن يسار الإمام وهو عالم بالمنع من ذلك فصلاة هذين باطل ، بخلاف حكم المصلي خلف الصف ، وما سمي قط المدار عن شمال إلى يمين مصليا وحده خلف الصف وموهوا أيضا بخبر أبي بكرة إذا أتى وقد حفزه النفس فركع دون الصف ثم دخل الصف . قال علي : وهذا الخبر حجة عليهم لنا ; لأن عبد الله بن ربيع حدثنا قال ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا حميد بن مسعدة أن يزيد بن زريع حدثهم قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم ثنا الحسن { أن أبا بكرة حدث أنه دخل المسجد ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع ، قال : فركعت دون الصف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد } . حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن الأعلم هو زياد - عن الحسن عن { أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد ركع ، فركع ثم دخل الصف وهو راكع ; فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيكم دخل الصف وهو راكع فقال له أبو بكرة : أنا ، قال : زادك الله حرصا ولا تعد } . [ ص: 378 ] قال علي : فقد ثبت أن الركوع دون الصف ثم دخول الصف كذلك لا يحل فإن قيل : فهلا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعادة كما أمر الذي أساء الصلاة والذي صلى خلف الصف وحده قلنا : نحن على يقين - نقطع به - أن الركوع دون الصف إنما حرم حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم . فإذ ذلك كذلك فلا إعادة على من فعل ذلك قبل النهي ، ولو كان ذلك محرما قبل النهي ; لما أغفل عليه السلام أمره بالإعادة ، كما فعل مع غيره . فبطل أن يكون لمن أجاز صلاة المنفرد خلف الصف ، وصلاة من لم يقم الصفوف : حجة أصلا ، لا من قرآن ولا من سنة ولا إجماع وبقولنا يقول السلف الطيب - : روينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النهدي قال : كنت فيمن ضرب عمر بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة قال علي : ما كان رضي الله عنه ليضرب أحدا ويستبيح بشرة محرمة على غير فرض وعن يحيى بن سعيد القطان ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أنه أخبره عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب كان يبعث رجالا يسوون الصفوف ، فإذا جاءوا : كبر . وعن عمر بن الخطاب : من كان بينه وبين الإمام نهر أو حائط أو طريق فليس مع الإمام وعن مالك عن أبي النضر عن مالك بن أبي عامر عن عثمان بن عفان أنه كان يقول ذلك في خطبته قلما يدع ذلك كلاما فيه : إذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف ، وحاذوا [ ص: 379 ] بالمناكب ، فإن اعتدال الصف من تمام الصلاة ، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم بتسوية الصفوف فيخبرونه أنها استوت فيكبر . هذا فعل الخليفتين رضي الله عنهما بحضرة الصحابة رضي الله عنهم ، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم . وعن عثمان أنه كان يقول : اعدلوا الصفوف وصفوا الأقدام وحاذوا بالمناكب . وعن سفيان الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمران الجعفي عن سويد بن غفلة قال : كان بلال - هو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا . فهذا بلال ما كان : ليضرب أحدا على غير الفرض . وعن ابن عمر : من تمام الصلاة اعتدال الصف . وأنه قال : لأن تخر ثنيتاي أحب إلي من أن أرى خللا في الصف فلا أسده قال علي : هذا لا يتمنى في ترك مباح أصلا وعن ابن عباس : إياكم وما بين السواري ، وعليكم بالصف الأول . وعن عبيد الله بن أبي يزيد : رأيت المسور بن مخرمة يتخلل الصفوف حتى ينتهي إلى الصف الأول أو الثاني وعن وكيع عن مسعر بن كدام عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن النعمان بن بشير قال : والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم . وقيل لأنس بن مالك : أتنكر شيئا مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف . قال علي : المباح لا يكون منكرا وعن سعيد بن جبير الأمر بتسوية الصفوف [ ص: 380 ] وعن عطاء : على الناس أن يسووا الصفوف . وعن عبد الرحمن بن يزيد : سووا الصفوف ، فإن من تمام الصلاة إقامة الصف . وعن إبراهيم النخعي في الرجل يجيء وقد تم الصف : إن قدر فليدخل معهم في الصف ، أو يجتذب رجلا فيصلي معه ، فإن صلى وحده فليعد الصلاة . وعن شعبة قال : سألت الحكم بن عتيبة عن الرجل يصلي وحده خلف الصف قال : يعيد . وببطلان صلاة من صلى خلف الصف منفردا يقول الأوزاعي ، والحسن بن حي ، وأحد قولي سفيان الثوري ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث