الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم قال : فصل في ترتيب الخصوم في الجدل . اعلم أنه لا يخلو الخصم في الجدل من أن يكون في طبقة خصمه ، أو أعلى أو أدون فإن كان في طبقته : كان قوله له : الحق في هذا كذا دون كذا من قبل كيت وكيت ، ولأجل كذا وعلى الآخر : أن يتحرى له الموازنة في الخطاب . فذلك أسلم للقلوب ، وأبقى لشغلها عن ترتيب النظر فإن التطفيف في الخطاب يعمي القلب عن فهم السؤال والجواب . وإن كان أعلى فليتحر ، ويجتنب القول له : هذا خطأ ، أو غلط ، أو ليس كما تقول ، بل يكون قوله له : أرأيت إن قال قائل يلزم على ما ذكرت كذا ؟ وإن اعترض على ما ذكرت معترض بكذا . فإن نفوس الكرام الرؤساء المقدمين تأبى خشونة الكلام ; إذ لا عادة لهم بذلك ، وإذا نفرت النفوس عميت القلوب ، وجمدت الخواطر وانسدت أبواب الفوائد ، فحرمت كل الفوائد ، بسفه السفيه ، وتقصير الجاهل في حقوق الصدور ، وقد أدب الله تعالى أنبياءه في خطابهم للرؤساء من أعدائه ، فقال لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام في حق فرعون { فقولا له قولا لينا } .

سمعت بعض المشايخ في علوم القرآن ، يقول : صفة هذا القول اللين في قوله تعالى [ ص: 588 ] { اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى } وما ذاك إلا مراعاة لقلبه ، حتى لا ينصرف بالقول الخشن عن فهم الخطاب ، فكيف برئيس تقدم في العلم تطلب فوائده ، وترجو الخير في إيراده ، وما تسنح له خواطره ؟ فأحرى بنا أن نذلل له العبارة ، ونوطئ له جانب الجدل ، لتنهال فوائده انهيالا وفي الجملة والتفصيل : الأدب معيار العقول ومعاملة الكرام ، وسوء الأدب مقطعة للخير ومدمغة للجاهل ، فلا تتأخر إهانته ، ولو لم يكن إلا هجرانه وحرمانه ، وأما الأدون فيكلم بكلام لطيف ، إلا أنه يجوز أن يقال له ، إذا أتى بالخطإ : هذا خطأ . وهذا غلط من قبل كذا ليذوق مرارة سلوك الخطإ فيجتنبه ، وحلاوة الصواب فيتبعه .

ورياضة هذا واجبة على العلماء ، وتركه سدى مضرة له ، فإن عود الإكرام الذي يستحقه الأعلى طبقة : أخلد إلى خطئه ، ولم يزغه عن الغلط وازع ، ومقام التعليم والتأديب تارة بالعنف ، وتارة باللطف ، وسلوك أحدهما يفوت فائدة الآخر ، قال الله - سبحانه وتعالى - { وأما السائل فلا تنهر } وقيل في التفسير : إنه السائل في العلوم دون سؤال المال ، وقيل : هو عام فيهما ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث