الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة الشورى .

بسم الله الرحمن الرحيم .

قال تعالى : ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ( 3 ) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم ( 4 ) ) .

قوله تعالى : ( كذلك يوحي ) : يقرأ بياء مضمومة على ما سمي فاعله ، والفاعل ( الله ) وما بعده نعت له ، والكاف في موضع نصب بيوحي . ويقرأ على ترك التسمية ؛ وفيه وجهان ؛ أحدهما : أن " كذلك " مبتدأ و " يوحي " الخبر ، و " الله " : فاعل لفعل محذوف ، كأنه قيل : من يوحي ؟ فقال : الله ؛ وما بعده نعت له .

[ ص: 382 ] ويجوز أن يكون " العزيز " مبتدأ ، و " الحكيم " نعت له ، أو خبر . و " له ما في السماوات " خبر ، أو خبر ثان . والثاني : أن يكون " كذلك " نعتا لمصدر محذوف ؛ و " إليك " القائم مقام الفاعل ؛ أي وحيا مثل ذلك .

قال تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ( 7 ) ) .

قوله تعالى : ( فريق ) : هو خبر مبتدأ محذوف ؛ أي بعضهم فريق في الجنة ، وبعضهم فريق في السعير ؛ ويجوز أن يكون التقدير : منهم فريق .

قال تعالى : ( ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ( 8 ) ) .

قوله تعالى : ( والظالمون ) : هو مبتدأ ، وما بعده الخبر ؛ ولم يحسن النصب ؛ لأنه ليس في الجملة بعده فعل يفسر الناصب .

قال تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ( 10 ) ) .

قوله تعالى : ( ذلكم ) : يجوز أن يكون مبتدأ ، و " الله " عطف بيان ، أو بدل ، و " ربي " الخبر . وأن يكون الله الخبر ، وربي خبر ثان ، أو بدل ؛ أو يكون صفة الله تعالى ، و " عليه توكلت " : الخبر .

قال تعالى : ( فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( 11 ) ) .

قوله تعالى : ( فاطر السماوات ) أي هو فاطر ؛ ويجوز أن يكون خبرا آخر .

ويقرأ بالجر بدلا من الهاء في " عليه " . والهاء : في " فيه " ضمير الجعل ، والفعل قد دل عليه ؛ ويجوز أن يكون ضمير المخلوق الذي دل عليه يذرؤكم .

والكاف في " كمثله " زائدة ؛ أي ليس مثله شيء ؛ فمثله خبر ليس ، ولو لم تكن زائدة لأفضى إلى المحال ؛ إذ كان يكون المعنى أن له مثلا ؛ وليس لمثله مثل ، وفي ذلك تناقض ؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل ، وهو هو مع أن إثبات المثل لله سبحانه محال .

وقيل : " مثل " زائدة ، والتقدير : ليس كهو شيء ، كما في قوله تعالى : ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ) [ البقرة : 137 ] . وقد ذكر ؛ وهذا قول بعيد .

قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ( 13 ) ) .

[ ص: 383 ] قوله تعالى : ( أن أقيموا ) : يجوز أن يكون بدلا من الهاء في " به " أو من " ما " و " من الدين " كل صالح .

ويجوز أن تكون " أن " بمعنى أي ، فلا يكون له موضع .

قال تعالى : ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب ( 17 ) ) .

قوله تعالى : ( لعل الساعة قريب ) : يجوز أن يكون ذكر على معنى الزمان ، أو على معنى البعث ، أو على النسب ؛ أي ذات قرب .

قال تعالى : ( ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ( 22 ) ) .

( وهو واقع ) ؛ أي جزاء كسبهم .

وقيل : هو ضمير الإشفاق .

قال تعالى : ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور ( 23 ) ) .

قوله تعالى : ( يبشر الله ) : العائد على الذي محذوف ؛ أي يبشر به .

( إلا المودة ) : استثناء منقطع أو العكس . وقيل : هو متصل ؛ أي لا أسألكم شيئا إلا المودة في القربى ؛ فإني أسألكموها .

قال تعالى : ( أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ( 24 ) ) .

قوله تعالى : ( يختم ) : هو جواب الشرط . ( ويمح ) : مرفوع مستأنف ، وليس من الجواب ؛ لأنه يمحو الباطل من غير شرط ، وسقطت الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين ، ومن المصحف حملا على اللفظ .

قال تعالى : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ( 26 ) ) .

قوله تعالى : ( ويستجيب ) : هو بمعنى يجيب .

و ( الذين آمنوا ) : مفعول به .

[ ص: 384 ] وقيل : يستجيب دعاء الذين آمنوا .

وقيل : " الذين " في موضع رفع ؛ أي ينقادون له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث