الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5 ] سورة " النساء "

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله - عز وجل - : يا أيها الناس اتقوا ربكم ؛ ابتدأ الله السورة بالموعظة؛ أخبر بما يوجب أنه واحد؛ وأن حقه - عز وجل - أن يتقى؛ فقال : الذي خلقكم من نفس واحدة ؛ يعني : من آدم - عليه السلام -؛ وإنما قيل في اللغة " واحدة " ؛ لأن لفظ النفس مؤنث؛ ومعناها مذكر في هذا الموضع؛ ولو قيل : " من نفس واحد " ؛ لجاز؛ وخلق منها زوجها ؛ حواء؛ خلقت من ضلع من أضلاع آدم ؛ وبث الله جميع خلق الناس منها.

ومعنى " بث " ؛ نشر؛ يقال : " بث الله الخلق " ؛ وقال - عز وجل - كالفراش المبثوث ؛ فهذا يدل على " بث " ؛ وبعض العرب يقول : " أبث الله الخلق " ؛ ويقال : " بثثتك سري " ؛ و " أبثثتك سري " ؛ وقوله - عز وجل - : " واتقوا الله الذي تساءلون به " ؛ [ ص: 6 ] بالتشديد؛ فالأصل : " تتساءلون " ؛ وأدغمت التاء في السين لقرب مكان هذه من هذه؛ ومن قرأ بالتخفيف فالأصل : " تتساءلون " ؛ إلا أن التاء الثانية حذفت لاجتماع التاءين؛ وذلك يستثقل في اللفظ؛ فوقع الحذف استخفافا؛ لأن الكلام غير ملبس.

ومعنى " تساءلون به " ؛ تطلبون حقوقكم به؛ والأرحام ؛ القراءة الجيدة نصب " الأرحام " ؛ المعنى : واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ فأما الجر في " الأرحام " ؛ فخطأ في العربية؛ لا يجوز إلا في اضطرار شعر؛ وخطأ أيضا في أمر الدين عظيم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تحلفوا بآبائكم " ؛ فكيف يكون " تساءلون به وبالرحم " ؛ على ذا؟ رأيت أبا إسحاق؛ إسماعيل بن إسحاق؛ يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم؛ وأن ذلك خاص لله - عز وجل -؛ على ما أتت به الرواية؛ فأما العربية فإجماع النحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الجر؛ إلا بإظهار الجار؛ يستقبح النحويون : " مررت به وزيد " ؛ و " بك وزيد " ؛ إلا مع إظهار الخافض؛ حتى يقولوا : " بك وبزيد " ؛ فقال بعضهم : لأن المخفوض حرف متصل غير منفصل؛ فكأنه كالتنوين في الاسم؛ فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه؛ وقد فسر المازي هذا تفسيرا مقنعا؛ فقال : الثاني في العطف شريك للأول؛ فإن كان الأول يصلح شريكا [ ص: 7 ] للثاني؛ وإلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له؛ قال : فكما لا تقول " مررت بزيد و ك " ؛ فكذلك لا يجوز " مررت بك وزيد " ؛ وقد جاز ذلك في الشعر؛ أنشد سيبويه :


فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث